دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٠١ - إجزاء المأمور به بالأمر الظاهري عن الواقع
٣ ـ وبلحاظ قاعدة الإستـصحاب : هل تـفهم الإجزاءَ عن الواقع مطلقاً من صحيحة زرارةَ المشهورة عن أبي جعفر (ع) قال : قلت له الرجل ينام وهو على وضوء ، أتُوجِبُ الخفْقَةُ والخفقتان عليه الوضوء ؟ فقال : يا زرارة ، قد تـنام العَين ولا ينام القلب والاُذُن ، فإذا نامت العَين والاُذُن والقلب وجب الوضوء ، قلت : فإنْ حُرِّكَ على جنبه شيءٌ ولم يَعلم به ؟ قال : لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيئ من ذلك أمْرٌ بين ، وإلا فإنه على يقين من وضوئه ، ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك ، وإنما تـنقضه بـيقين آخر [٣٤٦] (صحيحة السند) ؟
فأقول : الجوابُ على الكلّ واحد ، وهو عدم وضوح التـنزيل مطلقاً ، والقدرُ المتيقّن ، بل هو المظنون جداً أيضاً ، هو الإقتصار على حالة الجهل بالواقع .
فلو أخبرك ثِـقَـةٌ أنّ الماء هو لزيد فتوضّأتَ به ، ثم عَلِمْتَ أنه لعَمْروٍ وأنت تعلم أنه غير راضٍ بتصرّفك بمائه ، ففي وضوئك شكّ وإشكال ، لأنّ المبغوض ذاتاً يصعب أن يكون عبادةً ، وتـنزيل مؤدّى الأمارةِ منزلة الواقع ، وتـنزيلُ الإحتمال منزلة العلم لا ينفعك هنا شيئاً .
وكذا لو بنيتَ على بقاء رضاه بالإستصحاب ثم تبين أنه صار غيرَ راض بالتصرّف بمائه ، فإنه لم يتبين أنّ قاعدة الإستصحاب تـفيد الإجزاءَ في هكذا حالة .
وكذا لو وجدتَ ماءً في أرضٍ فدخلتَ فيها بانياً على قاعدة الحِلّيّة ، ثم تبين لك عدمُ حِلّيّة استعمالك لهذا الماء وأنه بمثابة الغصب ، فإنّ كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فـتـدعه يصعب أن تكون ناظرةً إلى حالة ما بعد العلم بالمخالفة للواقع ، فنرجع إلى أصالة عدم الإجزاء وإلى أصالة الإشتغال .
وكذا لو شككت في نجاسة الماء فبنيتَ على طهارته ، فتوضّأتَ به وصلّيتَ ، ثم تبين لك نجاستُه ، فإنّ عليك أن تطهّر ما تـنجّس مِن بدنِك وأن تعيد وضوءك وصلاتَك ، ولو كانت قاعدة الطهارة أو استصحابها يفيدان الإجزاءَ لكان وضوؤه صحيحاً حتى ما بعد العلم بالنجاسة الواقعية . وبتعبـيرٍ آخر : كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر لا تـنفعك هنا بالإجماع ، ممّا يعني عدمَ الإجزاء ، فقد قال العلماء بأنّ قولَه (ع) فإذا علمتَ فقد قَذُرَ ، وما لم تعلم فليس عليك يفيد أنّ قاعدة الطهارة قاعدةٌ تكليفية بحتة ـ ولا تـفيد الطهارةَ الموضوعية في حال الجهل بحيث تكون طاهرةً وضْعاً كالطهارة الواقعية تماماً ـ وذلك بدليل أنّ العرف يفهم منها معنى : فإذا علمت فرتّبْ آثارَ النجاسة ، إذَنْ فهي تـفيد حُكماً تكليفيّاً ، لا
[٣٤٦] ئل ١ ب ١ من أبواب نواقض الوضوء ح ١ ص ١٧٤ ، وئل ٢ ب ٤٤ من أبواب الحيض ح ٢ ص ٥٩٤ .