دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٩ - (المرحلة الرابعة من سنة ١٠٣١ هــ وإلى زمان الشهيد الصدر)
وكذا لاحِظْ ما قاله صاحبُ الحدائق : ".. ألا ترى أنه قد وردت الأخبار بأنّ الأشياء كلها على يقينِ الطهارةِ ويقينِ الحِلِّيةِ حتى يُعلم النجسُ والحرام بعينه ، مع أنّ هذا اليقينَ كما عرفت ليس إلا عبارة عن عدم علم المكلف بالنجاسة والحرمة .. ومنها حِلِّيَّة ما لم تعلم حرمته ويدل عليه الأخبار صحيحة عبد الله بن سنان قال قال أبو عبد الله (ع) : "كلُّ شيءٍ يكون فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه " وصحيحة ضريس قال : سألت أبا جعفر tعن السمن والجبن نجده في أرض المشركين والروم أنأكله ؟ فقال : "ما علمت أنه خلطه الحرام فلا تأكل ، وما لم تعلم فكله حتى تعلم أنه حرام" ، وموثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله tقال : "كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، ومملوك عندك وهو حر قد باع نفسه أو خدع فبـيع قهرا ، وامرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك ، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البـيِّنة" ، ورواية عبد الله بن سليمان قال : سألت أبا جعفر tعن الجبن فقال : لقد سألتـني عن طعام يعجبني .. إلى أن قال : قلت : ما تقول في الجبن ؟ فقال : "سأخبرك عن الجبن وغيره : كلُّ ما كان فيه حلالٌ وحرامٌ فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه" إلى غير ذلك من الأخبار . وظاهرُ هذه الأخبار بل صريح جملة منها اختصاصُ الحكم المذكور بما فيه أفرادٌ بعضُها معلومُ الحِلّ وبعضُها معلومُ الحرمة ولم يميِّزِ الشارعُ بـينها بعلامة ، واشتبه بعضها بـبعض مع كونها غيرَ محصورة ، فالجميع حلالٌ حتى يُعرفَ الحرامُ بعينه على الخصوص ، فمورد الحكم حينـئذ هو موضوع الحكم الشرعي دون الحكم الشرعي نفسه ، وبهذا التخصيص جزم المحدِّثُ الأمين الإسترآبادي . وظاهر جمع ممن قدمنا نَقْل الخلافِ عنهم في القاعدة المتقدمةِ إجراءُ ذلك أيضاً في نفس الحكم الشرعي ، ومقتضى ذلك أنه لو وُجِد حيوانٌ مجهولٌ مغايرٌ للأنواع المعلومِ حِلُّها وحُرمتُها من الحيوانات فإنه يُحكَم بحِلِّه بناءً على عموم القاعدة المذكورة ، وكذا بطهارته بناء على عموم القاعدة المتقدمة ، إلا أنّ شيخنا الشهيدَ الثاني في تمهيد القواعد صرح في مثل ذلك بالطهارة والتحريم محتجّاً بالأصل فيهما ، قال "أمّا أصالة الطهارة فظاهر ، وأما أصالة التحريم فلأنّ المحرَّم غيرُ منحصر ، لكثرته على وجهٍ لا ينضبط" وفيه ما لا يخفى . وأنت خبـير بأنّ مقتضى العمل بأخبار التـثليث ـ التي تقدمت الإشارةُ إليها في بحث البراءة الأصلية ـ التوقُّفُ في مثل ذلك ، إذ شمولُ هذه الأخبار التي ذكرناها لمثل ذلك مما يكاد يُقطع بعدمه ، فإنها متشاركة الدلالةِ تصريحاً في بعضٍ وتلويحاً في آخر على أنّ موردها إنما هو موضوع الحكم