دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٤٤ - إقتضاء الحرمة لبطلان المعاملة
بين المعصية والبطلان إلى نفسه ، بخلاف النصّ السابق حيث نَسَبَ الملازمةَ إلى الحكم بن عُيَـينَة وابراهيم النخعي وأصحابِهما !! على كلّ ، فالإمامُ (ع) لم يَقُلْ هو زانٍ ، وإنما قال بأنّ نكاحه صحيح ، إلاّ أنّ للسيّد أن يفرّق بـينهما . وبتعبـيرٍ آخر ، الإمامُ يَرُدّ على العامّة بادّعائهم الملازمةَ بين مطلق النهي عن المعاملة وبين فسادها ، فقال (ع) "هو عصيان تكليفي وليس عصياناً موضوعِياً ، ولذلك فهو ليس بـباطل ، نعم لو كان عصياناً موضوعيّاً لكان باطلاً" .
وعمومُ التعليل في ذيل الرواية ـ وهو قوله إنما أتَى شيئاً حلالاً وليس بعاصٍ لله ، إنما عَصَى سيِّدَه ولم يَعْصِ اللهَ ، إنَّ ذلك ليس كإتيان ما حرَّمَ اللهُ عليه من نكاح في عدة وأشباهه ـ يَدِلُّ بوضوح على عموم الحكم ، في العقد وغيره .
فالنـتيجةُ على ضوء هتين الروايتين أنّ النهي الموضوعي ـ وهو العقد في العِدّة وأشباه ذلك ـ يَدِل على فساد المعاملةِ جزماً ، وهذا أمْرٌ لا شكّ فيه عند الجميع ، وأمّا النهيُ التكليفي ـ وهو نهْيُ اللهِ تعالى أن يعصِيَ مولاه ـ فلا يقتضي بطلانَ المعاملةِ ، أي لا يستلزم فسادَها .
ثم إنـنا لم نُدخِلْ هذا المثالَ في النهي عن المسبب لأنّ المسبب ـ أي النـتيجة وهي العُلْقَة الزوجيّة ـ ليست مبغوضةً في نفسها ، إنما التصرّف بنفسه بإيقاع العلقة الزوجيّة بما يترتّب على ذلك من لوازم ، من دون إذن مولاه ، هو المبغوض ، فالمشكلةُ عرَضيّة لا ذاتيّة ، لذلك كان النكاح صحيحاً شرعاً ، وإن كان يمكن فسْخُه من مولاه .
* وقد تـقول إنّ لنا أنْ ندّعيَ صحّةَ المعاملات المنهيّ عنها ، وذلك بتـقريب أنّ النهي عن المعاملة لو كان إرشاداً إلى بطلانها لما صحّ النهيُ ، وإنما وجب القولُ بـبطلانها فقط ، دون النهي ، فأنت لا يصحّ لك أن تـنهَى عن قتْلِ الغول ، وذلك لعدم وجوده ، ولا يصحّ لك أن تـنهَى عن المشي في الهواء ، لعدم القدرة ، وكذا ما نحن فيه تماماً ، فالنهيُ لا يصحّ إلاّ إذا كان كاشفاً عن ترتّب أثر الظهار وأثر عقد العبد ، وإلاّ وجب أن يقول الإمام بأنهما باطلان ، فقط .
فأقول : يمكن الإجابةُ على ذلك باحتمال أن يكون النهي إرشاداً إلى بطلان المعاملة ، لا أن يكون النهيُ تكليفياً ، فإذا قال المولى مثلاً "لا تشترِ الخمرَ والـمَيتةَ ولا تبعْهما" فقد يكون المراد منه بطلانَ المعاملة .
فإنْ قلتَ : قد يتعلّق النهيُ عن المعاملة وتكون المعاملةُ صحيحةً ، كما في البـيع عند النداء لصلاة الجمعة ، فكيف تدّعي بطلانَ المعاملة مطلقاً إذا نُهِيَ عنها ؟!