دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٧٦ - التطبـيق الأوّل إنحلال العِلْمِ الإجمالي بالعِلْم التـفصيلي
التطبـيق الأوّل : إنحلال العِلْمِ الإجمالي بالعِلْم التـفصيلي :
والمثالُ البسيط الأوّلي لهذا التـنبـيه هو أنْ نَعْلَمَ بِدايةً بنجاسة أحد إناءين ، ثم نعلم بكون النجاسة قد وقعت في هذا الإناء بعَينه ، فهنا ينحلّ العلمُ الإجمالي إلى علم تـفصيلي ، ويجب أن يعبّر عن هذا الإنحلال بـ (الإنحلال الحقيقي) .
وأمّا إنْ عَلِمْنا بوقوع قطرة دم اُخرى في إناء (ألِف) فإنّ العلم الإجمالي الأوّل لا ينحلّ وجداناً ، وإنما يـبقى على تـنجيزه عقلاً .
إذَنْ هنا سؤالان :
(١) قد تَعْلَمُ أوّلاً بوقوع قطرة دم في أحدهما اللامعيّن ، ثم تعلم بوقوع قطرة دمٍ في إناء (ألِف) ، ولا تدري هل أنّ القطرة المذكورة ثانياً هي عين المعلومة سابقاً ، أو أنها قطرةٌ ثانيةٌ وقعت في هذا الإناء المعيّن رقم (ألِف) ؟!
ومثلُها ما لو علمتَ بوقوع نجاسة ـ أي أعمّ من الدم ـ في إناء (ألِف) ، فهل تجري الاُصولُ المؤمّنةُ في إناء (باء) أم لا ؟
الجواب هو أنه ـ ثبوتاً ـ لا شكّ في إمكان التمسّك بإطلاقات أدلّة الطهارة والحِلّيّة بلا أيّ استهجان عقلائي ، لصيرورة الشبهةِ أشبهَ شيءٍ بالشبهة البدْويّة ، لا بل تصير الشبهةُ شبهة بدويّة حقيقةً ، لأنـنا نشكّ هل وقعت نجاسةٌ في الإناء (باء) أم لا ، أو هل يوجد في الإناء (باء) نجاسةٌ من الأصلِ أوْ لا ، فح يجب ـ إثباتاً ـ التمسّكُ بهذه الإطلاقات . وينبغي أن يسمّى هذا الإنحلال بـ (الإنحلال الحكمي) .
(٢) قد تَعْلَمُ بنجاسة أحد إناءين ، ثم يأتيك ثقةٌ يخبرك بأنّ الإناء الفلاني هو المتـنجّس ـ وآيةُ النبأ وغيرُها تـفيدُنا حجيّةَ خبرِ الثقة ـ فهنا يحصل انحلالٌ ، وينبغي أن يسمّى هذا الإنحلال بـ (الإنحلال التعبّدي) ، إذ لولا التعبّد بحجيّة خبر الثقة لما حصل هذا الإنحلال . وهل يجب الإستعانة ـ رغم حجيّة خبر الثقة ـ بالتمسّك بإطلاقات أدلّة الأصول الترخيصيّة أم لا حاجة ؟
الجواب : لعلّك تعلم بأنـنا نقول بصحّة مسلك الطريقيّة ، للكثير من الأدلّة ، وعليه فيكون خبر الثقة بمثابة العلم شرعاً ، وح لن نكون بحاجةٍ إلى إجراء الاُصول المؤمّنة ، ولكن رغم ذلك لا بأس بإجرائها أيضاً ، ولا ضررَ في ذلك .
وبتـفصيلٍ أكثر : حينما يخبرنا الثقةُ بكون الإناء المتـنجّس هو هذا الإناء الفلاني ، فهذا يصير بمثابة العلم بنجاسته شرعاً ، أي كما لو علمتَ تماماً ، وأيضاً هذا التـنزيلُ والإعتبارُ يُثبتان طهارةَ الإناءِ