دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٣٩ - المَقام الثالث في حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه
في نفسه ، ولكن بلحاظ صدوره منه بنيّة إنقاذ الناصبـي المحارب ليحاربنا ويقتلنا هو عمل قبـيح فاعلياً .
* * * * *
المَقام الثالث : في حرمة الفعل المتجرّى به وعدمه
وعمدةُ البحثِ هنا إنما هو في الجواب على السؤال التالي : هل يمكن ادّعاء وجود جعل شرعي واقعي بالشكل التالي : "إن اعتقدَ المكلّفُ بحرمة فعلٍ ما ، فقد حرم عليه نفسُ التجرّي بحرمة اُخرى ـ أي مع غضّ النظر عن عنوان الفعل المرتكَب ـ ، أو فقد حرم عليه نفس الفعل المتجرّى به" ؟ أو أنّ المتجرّي يستحقّ العقاب عقلاً فقط ، على سوء نيّته ـ كما هو الحقّ ـ ؟ فما الجواب ؟
قد يستدلّ على حرمة التجرّي تارة : بكتاب الله العزيز ، وتارةً بالأخبار ، وثالثةً بتـفسير متعلّق النهي بمعنى المتعلّق المعلوم ، ورابعةً : بقاعدة الملازمة ، وخامسةً : بالإجماع .
* أمّا من كـتاب الله الكريم فقوله تعالى [للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ ، وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ، فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ، وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ][٢٠٠]وبقوله[إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنـتمْ لاَ تَعْلَمُونَ ][٢٠١] وقوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ! قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبـينَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوَهُمْ إِن كُنـتمْ صَادِقِينَ ؟! ][٢٠٢]وقوله [ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ][٢٠٣].
فإنّ الآية الاُولى تـفيد بأنّ الله تعالى يحاسب الناس على ما أخفَوه في أنفسهم من خير أو شرّ ، فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء ، وهذا الحساب الإلهي على ما في أنفسهم من نيّات سوء يعني استحقاق العذاب على مجرّد نيّة السوء المخفيّة حتى ولو لم يرتكب أيّ فعل .
[٢٠٠] البقرة ـ ٢٨٤ .
[٢٠١] النور ـ ١٩ .
[٢٠٢] آل عمران ـ ١٨٣ .
[٢٠٣] القصص ـ ٨٣ .