دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٠٧ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
فإن قلتَ : الهدف من الجعل ليس هو التحريك ، وإنما هو جعل موضوع لاستحقاق الثواب والعقاب على الإمتـثال والعصيان .
قلتُ : سبق وذكرنا في بحث التجرّي أنّه يكفي في استحقاق الثواب والعقاب نيّة المكلّف ، بمعنى أنه لو استطاع لكان سيحجّ ويصلّي ويصوم ، لكنه مثلاً غير قادر ، فإنـنا ذكرنا سابقاً بأنه يستحقّ الثواب على نيّته الجازمة هذه ، وكذا لو كانت نيّتُه الجازمة أن لو استطاع لَشَرِبَ الخمْرَ ولَقَتَلَ فلاناً ولَظَلَمَ الناسَ ، فإنـنا قلنا بأنّ هكذا شخص يستحقّ العقاب على نيّته الجازمة هذه .
ويكفينا جواباً أنه لا دليل على إيجاد المولى تعالى لجعل مماثل للمعتقَد ولا على جعل نفس الحكم المعتقَد به . وقد أطلنا في الأجوبة على هذه الإحتمالات في بحث التجرّي فراجع .
* إذن كيف يمكن تشريعُ الأحكام التي يوجد في موضوعها العلم بالحكم شرطاً في فعلية الحكم ، كما في القصر والتمام ، فقد يقال بأنه اُخذ العلم بجعل وجوب التقصير شرطاً في الحكم الفعلي بوجوب التقصير ؟
* وكيف يمكن أخْذُ العِلْمِ من غير طريق العقل في موضوع حجيّة العلم ، كما يدّعي الأخباريون من أنه يشترط في حجيّة العلم أن يكون ناشئاً من غير العقل ؟ أليس هذا سلباً للحجيّة من القطع ؟
فهنا إذن مقامان :
* المقام الأوّل : قال السيد الشهيد الصدر بأنه يمكن ذلك بدخالة العلم بالجعل في موضوع المجعول ، فح لا نحتاج إلى متمّم للجعل .
أقول : لم يلتـفت سيدُنا الشهيد إلى أنّ كلامه هذا لا يمكن تـفسيرُه إلاّ بطريقة الجعلين ، وذلك بأنْ يَجعلَ المولى تعالى أوّلاً (وجوب القصر على المسافر) بنحو الإهمال من حيث اشتراط العلم بهذا الجعل ، فهو إهمال في مرحلتي ملاك الحكم وجعله ، ثم يَجعلُ حكماً آخر يفيد بأنّ (مِن شروطِ فعلية وجوب القصر على المسافر أن يعلم بوجوب القصر على المسافر) ، وهذان الجعلان لبّاً جعلٌ واحد ، ولا يمكن غير ذلك ، فمَن عَلِمَ بوجوب القصر على المسافر فإنه تـتحقّق عنده بعض شرائط وجوب التـقصير ، أي أنه ـ ما لم يسافر ـ قد حصل عنده شرطٌ من شروط فعليّة الحكم ، وهناك شروط اُخرى يجب أن تـتوفّر أيضاً ليصير وجوب التقصيرِ عليه فعلياً ، إذن بمجرّد العِلْمِ بوجوب التقصير على المسافر لا يتـفعّل وجوب التقصير عليه ما لم تـتحقّق سائرُ شروط التقصير . وما أفدناه هو مراد المحقّق النائيني الذي قال بوجود جعلين بالنحو المذكور وسمّى الثاني بـ (مُتَمّم الجعْلِ) .