دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٠٦ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
ـ وكما في فرض أن يقول لنا المولى تعالى "إن اعتقدتَ ـ أي اعتقاداً خاطئاً ـ بحكمٍ ما فقد جعلتُ في عالم الجعل حكماً مماثلاً لاعتقادك أي شبـيهاً به" كما قد يدّعَى عند القائلين بحرمة التجرّي ، فإنّ المعتقِدَ ـ كما قلنا قبل قليل ـ لا يأخذ بالجعل الثاني ، لأنه يعتقد بالحكم الأوّل ، فيكون الجعلُ الثاني لغويّاً ، حتى ولو قيل له هذا خلّ ـ مثلاً ـ وليس خمراً ، فإنه يجيـبهم بالقطع بأنه خمر .لا ، بل لا يمكن للمولى تعالى أن يتَّبِعَ اعتقاداتـنا الخاطئة في جعولاته ، فيكون اعتقادُنا تمامَ موضوعِ الجعل الآخر المماثل لاعتقادنا !! أو قُلْ : هل يحصل حبّ شديد عند المولى تعالى بجعل مماثلٍ لاعتقاد المعتقد ؟ حتى ولو كان اعتقاده باطلاً ؟!
ـ وكما في فرض ما لو قال المولى"إن اعتقدتَ بحكم ما فقد جعلتُ في عالم الجعل الواقعي نفس الحكم الذي اعتقدت به" ، فهذا لا يمكن الإعتقاد به ، وذلك لما قاله العلاّمةُ الحلّي من أنه يؤدّي إلى الدور الصريح ، فإنّ العِلْم الأوّل قد تعلّق ـ مثلاً ـ بحرمة المائع الموجود أمامَه ـ ولنفرضه خلاًّ ـ فلأجل ذلك شرّع المولى تعالى نفس ذلك الحكم المعتقَد به ـ لا مثله ـ فكان نفسُ المعتقَدِ به قَبْلَ العِلْمِ وبَعدَه .
على أنه لا يمكن عقلاً أن يُشَرّع اللهُ نفسَ الحكم المعتقد به ، لأنّ الوجود الأوّل للحكم المعتقَد به غيرُ الوجود الثاني للحكمِ الذي سينشأ بسبب الحكم الأوّل المعتقَد به ، فالأوّلُ هو المعلوم بالذات ، والثاني هو المعلوم بالعرَض .
إذن لا يمكن ـ ثبوتاً وعقلاً ـ تشريع نفس الحكم المعتقَد به .
إضافةً إلى أنّ المولى تعالى لا يتّبع اعتقادات المتوهّمين ، ولا يحصل له حبّ في جعل أحكام تـتبع أوهامهم ، لمجرّد اعتقادهم بأمرٍ ما ، وكأنّ جبرائيل (ع) يلاحقُ الناسَ أو ينـتظرهم ليعتقدوا بشيء ـ حتى ولو كان مبغوضاً ـ ليجعله بنفسه ، فما يعتقدون به يجعله في اللوح المحفوظ !! وقد يختلف الناسُ في اعتقاداتهم ، فيتحيّر جبرائيل (ع) ماذا يكتب في اللوح المحفوظ !!
فإن قلتَ : لا ، لا نقصد هذا المعنى ، وإنما يجعل المولى تعالى حكماً ظاهريّاً هو نفس ما اعتقد به الإنسان .
قلتُ : لا فائدة من هذا الحكم الظاهري ، لأنّ المطيعَ سوف يمتـثل من دونه ، والعاصي سوف يعصي رغم تشريعِه ، فتشريعُه إذَنْ لغْوٌ محضٌ . أو قُلْ : إنّ المعتقِدَ يرى الحكم المتصوّر في ذهنه مفروغَ الوجود ، فلن يعتقد بتوجّه هذا الحكم الظاهري له ، فلا فائدة إذَنْ ـ خارجاً وفي مرحلة الإمتـثال ـ من تشريع نفس الحكم الظاهري المتوهَّم .