دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٩٤ - الأمر الأوّل من بحث القطع أقسام القطع
الجواب : لو أخذنا أوّلاً المثالَ الأخير لنشرحَ المطلبَ أوّلاً فإنّ الأسئلة الاُخرى سيتّضح جوابُها فوراً ، وذلك لأنها سيكون قِيامُها مَقام القطع الطريقي بالأولوية ، لأنه إن ثبت قيام قاعدة الطهارة ـ وهي أصل محض لا كاشفيّة فيه ـ مَقام القطعِ الطريقي فبطريق اَولى سيثبت قيام الأصل العملي المحرز ، وبطريق اَولى سيثبت قيام الأمارة مَقام القطع الطريقي ، وذلك لأنّ الأمارة تدّعي إصابةَ الواقعِ ، بخلاف الأصول العملية ، فنقول :
يفهم الناس من اشتراط الطهارة في الصلاة هو ثبوتها ولو بنظر الشرع ، أي حتى ولو ثبتـت الطهارة بأمارة أو بأصل شرعي ، ولذلك حينما تأتي موثّقة عمّار الساباطي وتقول "كلّ شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد قذر ، وما لم تعلم فليس عليك" فإنك تـفهم منها أنها تـنزّل المشكوك النجاسة منزلة الطاهر الواقعي ظاهراً أي تعبّداً ، فأنت إذن عالم شرعاً وتعبّداً بكونك على طهارة ، فتقوم قاعدة الطهارة مَقام القطع الطريقي بوضوح . وبتعبـير آخر : لا شكّ أنّ الأحكام الظاهرية ـ مع فقدان العلم بالأحكام الواقعية ـ وظيفتها تـنجيز التكليف والتعذير عنه ، فأنت حينما تجري قاعدة الطهارة تكون شرعاً طاهراً ، حتى ولو كنت متـنجّساً واقعاً ، المهمّ هو أنك طاهر بنظر المولى تعالى ، فإذن لك أن تصلّي وأن تكون مصداقاً للطاهر .
والآن يجب علينا أن نـنظر إلى مسألة تـنزيل الأمارة منزلةَ القطعِ ، مع غضّ النظر عن كونه طريقياً أو صفتياً (أي وجدانياً) ، ثم في المرحلة الثانية سترى أنّ الشارع المقدّس قد نزّلها منزلتهما معاً فنقول :
لا شكّ في أنّ الله تعالى اعتبر مؤدّى الأمارات ـ كعدالة زيد مثلاً ـ مُنَزّلةً منزلةَ الواقع في آية النبأ وفي كلّ الروايات المستـفيضة ولا معارض لهذه الروايات ، لا كما هو الحال في المجاز العقلي عند السكّاكي حينما يقول بأنّ قول الشخص "زيدٌ شجاع بل أسدٌ" فهو قد نزّله منزلة الأسد واقعاً ، وإن لم يكن أسداً حقيقةً بما له من آثار واقعية اُخرى غير مقصودة كرائحة الفم ، وكذا إن قال "حبـيـبتي شمس" ، فهو قد نزّل حبـيـبته منزلة الشمس حقيقةً ـ أي بلحاظ معيّن فقط ـ وإن لم تكن شمساً حقيقةً ولها آثار اُخرى غير مقصودة كالإحراق وأنها أكبر من الكرة الأرضيّة .. وإنما نزّل الأمارةَ منزلةَ الواقع تماماً بكلّ آثار الواقع .. وقد عقد الحرّ العاملي في وسائله باباً لهذا الأمر[١٧٨] نكتـفي بذكر بعض الروايات منه لأنها كلّها بمعنى واحد وهو التـنزيل، ولكن نبدأ بذِكْرِ آية النبأ فنقول :
[١٧٨] راجع ئل ١٨ ب ١١ من أبواب صفات القاضي ص ٩٨ ، ذكر فيه ٤٨ رواية .