دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٨٣ - مقدّمة البحث
الجاهل إلى المرجع في حالة جهل المرجع بالحكم الواقعي ولو من خلال الأدلّة المحرزة) ، وعلى هذا الأساس الجديد فإنْ وَجد المجتهدُ الحكمَ الواقعي وعرفه ولو تعبّداً ـ أي ولو من طريق أخبار الثقات ـ فبها ، وإلا فعليه اتّباعُ الاُصول العملية في موارد عدم وجود أمارات معتبرة ، وهذه هي وظيفة المجتهد شرعاً ، وبما أنه وكيل ونائب عن العامّي الجاهل فيجب على العامّي أن يرجع إلى المرجع فيما استـنبطه بالنيابة عنه . وبتعبـير بسيط : لو فرضنا أنّ نفس العامّي اجتهد لوجب عليه أيضاً اتّباعُ الاُصول العملية في حال فقدان الأدلّة المحرزة .
وهناك أساس ثالث يمكن ابتـناء التقليد عليه وهو أنّ إفتاء المرجع عبارة عن إخباره للعامّي بأنّ الحكم الشرعي والمكلّفَ به العامّيُ هو هذا الحكم الفلاني ، فهو إذَنْ إخبارٌ عن حسّ ، وهذا حجّة بنظر المتشرّعة ، كما كان إخبار الرجاليـين حجّة في التوثيق وغيره ، وكما كان خبر الثقة حجّة في الأحكام الشرعية . فلو فرضنا أنّ المرجع أخبر العامّي برجوعه إلى الاُصول العملية فهذا في الحقيقة إخبار عن حسّ بأنّ الوظيفة الفعلية الشرعية الآن هي الرجوع إلى الاُصول العملية .
إذن كان الكلامُ عن مسألة تبرير رجوع الجاهل إلى المرجع الذي يجهل الحكم الشرعي الواقعي فرجع إلى الأدلّة المحرزة ، أو لم يجد المرجعُ دليلاً محرِزاً حجّةً فرجع إلى الاُصول العملية ، وقلنا إنّ هذا الإشكال مبنيٌّ على أنّ التقليد عبارةٌ عن رجوع الجاهل إلى العالم ، فإذا كان نفس المجتهد جاهلاً بالحكم فكيف يمكن تبرير رجوع الجاهل إلى الجاهل ؟!
وأجبنا على ذلك بثلاثة أجوبة واضحة ، منها أنّ المجتهد بَعد فحصِه التامّ حينما رجع إلى الأحكام الظاهريّة فإنه يَرجع إليها كخبـير في الشرع وأنه في هكذا حالة وظيفتُه الرجوعُ إليها ، فهو في الحقيقة عالمٌ حتى في هكذا مورد ، فيكون موضوعاً لجواز التقليد بلا شكّ ، والمفروض عجزُ العامّي عن الفحص والإجتهاد ، والمفروض أنّ ارتكاز المتشرّعة أنّ المرجع نائب عن العامّي في الفحص ، وهو يـبذل جهدَه في تشخيص الوظيفة العملية له وللعامّي ، فقد كان على العامّي أن يحتاط في الأحكام المجهولة لديه ، وذلك لأنه لم يفحص في الأدلّة الشرعية ، أو قُلْ هو ليس أهلاً للفحص والإجتهاد ، وليس أهلاً لحلّ مشكلة وجود علم إجمالي بوجود أحكام إلزامية بين الروايات ، ولا يمكن له الإحتياط التامّ فيها .. فيوكّل نائباً خبـيراً عنه ويقلّده .. وهذا هو مبنَى المتشرّعة في العالَم .