دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٨١ - مقدّمة البحث
وكذلك الأمر في النحو الثّاني فإنه أيضاً يجب على هذا الصبي المميّز المجتهد أن يرجع إلى البراءة من التكاليف الإلزامية المحتملة ، وليس له الرجوع إلى استصحاب عدم البلوغ ، لأنه الآن بعد هذه المرحلة من الإنبات إمّا أنه بالغ في عالم الجعل وإمّا لا ، فكيف نستصحب في عالم الجعل عدمَ بلوغه ؟!
مثال آخر في الإستصحاب في الشبهات الحكمية :
جرى البحث بين العلماء في فرض حصول شك في مقدار الذراع وهل هو ٤٥ سنـتم أو ٤٦ أو ٤٧ سنـتم مثلاً لمعرفة مسافة التقصير ، فالشبهة مفهومية ـ في مفهوم الذراع ـ أي أنّ الشبهة حكميّة ، فهل يجري استصحاب عدم بلوغ المسافة أم لا ؟ أم نرجع إلى أصالة التمام ـ الذي هو العموم الفوقاني في مثل هذه الحالة ـ حتى تـثبت المسافة الشرعية فأقول :
لو قُدِّرَ لنا أن نـنظر إلى عالم الجعل لوجدنا جواباً لا محالة ، وهو إمّا أنه يتمّ وإمّا يقصّر ، فلا استصحاب في ذلك العالَم ، لأنّ الموضوع بسيط ، ولا وجه للتقصير مهما قلتَ وفكّرتَ ، ولو لعدم ثبوت بلوغ المسافة الشرعية خارجاً ، أمّا ما هو الدليل على وجوب الإتمام ؟ لا شكّ أنه الرجوع إلى العمومات الفوقانية وهو وجوب التمام وهو ما يعبّرون عنه بأصالة التمام حتى يُعلم بحصول السفر.
وأمّا في مجال العقليّات وهو النحو الثالث فإنّ كان الحكم العقلي لهذا الصبي المميّز المجتهد واضحاً وجب عليه اتّباع عقله ، كما في وضوح قبح الظلم والسرقة والزنا ، والمجتهد يعلم أنّ الشارع المقدّس لا يخالف هكذا أحكام واضحة ، وإلاّ فمع عدم وضوح حكم العقل فيه يرجع أيضاً إلى براءة الذمّة شرعاً وعقلاً .
* الأمر الثّاني : إنّ الموضوع لهذا التقسيم هل ينبغي أن يكون خصوص المجتهد لاختصاص الوظائف المقررة للظَّانّ والشّاك به أم أنه يشمل العامّي أيضاً ؟
اِختار المحقّق النائيني قدّس سرّه وجملة من المحقّقين الأوّل ، ولعلّه كان ناظراً إلى خصوص الشبهات الحكمية ، وأنه ليس للعامّي دور فيها إلا الرجوع إلى المجتهد . والتّحقيق أنّ التقسيم ينبغي أن يشمل العامّي أيضاً ، أمّا في الشبهات الموضوعية فواضح ، وأمّا في الشبهات الحكمية فأيضاً واضح ، خاصةً إن لم يجد المجتهدَ ليرجع إليه في الشبهات الحكمية .