دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١٢٧ - الأمر السادس الأوامر الإرشاديّة
تعالى[ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْوَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُوَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتـقينَ (١٣٣)][٩١]وقولُه [ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ] [٩٢].
قلتُ : نعم ، ما ذكرتموه صحيح ، ولكن ليس كلامنا هنا إلاّ في دلالة صيغة الأمر فقط ، هذا أوّلاً ، وثانياً : إنّ آية [ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ] تـفيد طلب المسارعة إلى المغفرة ، لا إلى فعل الواجبات ، ثم لو كانت تـفيد معنى وجوب المسارعة إلى فعل الواجبات لَوَقَعَ المؤمنون في الحرج في كلّ الواجبات والعبادات خاصّة ، ولَعُلِمَ ذلك بوضوح لا يَخفَى على أحَدٍ من المسلمين كما في موارد قضاء الصلوات الفائـتة والصيام الفائت مثلاً . المهمّ هو أنّ آيةَ [وسارِعُوا إلى مغفرةٍ ..] تـفيد استحبابَ الإسراع في الإستغفار من الذنوب ومن التوبة الندامة ومن التـقصير مع الله جلّ وعلا ، فإنّ تباطؤ الإنسان في الإستغفار يُعَمِّقُ النكتةَ السوداء على قلبه ، فيصير من الصعب إزالتها ، ولذلك فلا يـبعد أن يكون هذا الإستحباب إرشاداً إلى أمرٍ عقليّ محض وهو وجوب الإسراع في التوبة والإستغفار والندامة ، ولذلك كان المعروف بين علمائـنا عدم وجوب الإسراع في قضاء الصيام وفي فِعْلِ الفرائض الأدائيّة أو القضائيّة .
وكذلك الأمْرُ تماماً في آية [ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ] فهي تـفيد استحبابَ الإستباق بين العباد في الخيرات ، وليست بصدد الإسراع في إنجاز الواجبات ، وإلاّ لوجبت الفوريّةُ في فِعْلِ المستحبّات أيضاً . وبتعبـير آخر : آيةُ [ فاسْتَبِقُوا الخَيراتِ ] تعني استحبابَ الإستباق والمسابقة بين العباد في الخيرات ، هذا هو المهم للإنسان الذاهب إلى ربّه ليحاسبه ، وليس المهم هو فقط المسابقة في الألعاب الرياضيّة .
* * * * *
الأمر السادس : الأوامر الإرشاديّة
لا شكّ في أنّ صيغة الأمر تدلّ على الطلب حتى ولو كانت في سياق الإرشاد إلى الجزئيّة أو الشرطيّة أو المانعيّة . فمثلاً : قول المولى تعالى[إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواوُجُوهَكُمْ ..][٩٣]ظاهره أنه أمرٌ بالوضوء لأجل الصلاة ، وواقعه هو بـيان اشتراط الصلاة بالطهارة ، وكذا الحال فيما
[٩١] سورة آل عمران .
[٩٢] المائدة ـ ٤٨ .
[٩٣] المائدة ـ ٦ .