دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ١١٨ - الأمْـر والـنَّـهـي
فمثلاً ورد في رواية عن الإمام الحسن بن علي oقال قال رسول الله p: أطعِموا حبالاكم اللِّبانَ ، فإنّ الصبي إذا غُذِّيَ في بطن اُمِّهِ باللِّبان اشتَدَّ عَقْلُه ، فإنْ يَكُ ذَكَراً كان شجاعاً ، وإنْ وُلِدَتْ اُنثَى عظمت عجيزتُها فتحظى عند زوجها ، وبسندٍ آخر عن محمد بن سنان عن الرضا (ع) قال : أطعِمُوا حبالاكم ذَكَرَ اللِّبان ، فإنْ يكن في بطنها غلامٌ خَرَجَ زكي القلب عالماً شجاعاً ، وإن تكن جاريةً حَسُنَ خُلُقُها وخِلْقَتُها ، وعظمت عجيزتُها وحظت عند زوجها [٨٠]، وكلّ العلماء يعلمون أنّ إطعامَ اللبان للحُبْلَى غيرُ واجب وإلاّ لبان جدّاً في الروايات وعند كلّ المتشرّعة لشدّة غرابته ، إذن فالمراد هنا هو الإستحباب الإرشادي ، ممّا يعني أنه مع وجود قرينة صارفةٍ عن الوجوب لا تدلّ ح صيغةُ الأمر على الوجوب ، وإنما تدلّ على معنى يناسب السياقَ ، ولكن هذا الإستعمال في الإستحباب ليس استعمالاً مجازيّاً ، لأنّ الإستحباب هو من مصاديق الطلب .
وقد ظهر ممّا سبق أنّه إن استُعمِلَتْ صيغةُ الأمر للطلب ـ سواء كان الطلب بمعنى الوجوب أو الإستحباب أو الدعاء أو الترجّي ـ كان الإستعمال حقيقياً ، لا مجازي ، وأمّا إن استُعْمِلت لغير الطلب ، كما لو استُعملت للتهكّم أو التحدّي مثلاً حيث لا يُراد الطلب ـ كما في قوله تعالى [ إعْمَلُوا ما شِئْـتُم ] [٨١]وكما في قولك لشخصٍ (تجرّأ واضربْني) ـ فإنّ الناس يرون أنّ الإستعمالَ مجازيٌّ لا محالة ، لأنك استعملت اللفظةَ في غير المعنى الموضوع له .
فإن قلتَ : لماذا لم تُورِدِ احتمالَ أن يكون الواضعُ قد وضع صيغةَ الأمر للتهكّم والتحدّي ونحوِ ذلك ، فيكون هناك عدّةُ أوضاعٍ لصيغة الأمر ؟
قلتُ : أنت لو سمعتَ كلمةَ (تجرَّأْ) لوحدها من دون أيّ سياق ، كما لو سمعتَها مِن نائم ، ماذا تـفهم منها ؟ ألا تـفهم منها الطلبَ ؟! وإذا سمعتَ كلمة [ إعملوا ] من دون أيّ سياق ألا تـفهمُ منها معنى الطلب وبالتالي الوجوب ؟! وكلّها هكذا ، ولذلك لا شكّ في أنّ صيغة الأمر تَدِلّ ـ بالعنوان الأوّلي ـ على خصوص الطلب ، وهذا يدلّ على كونها موضوعةً لخصوص الطلب ، كما يقول صاحبُ الكفاية ، نعم مع عدم وجود أيّ قرينة صارفة يفهم كلُّ الناسِ خصوصَ معنى الوجوب ، وذلك لأنّ المؤمن يفهم من الطلب معنى الطلب المحض الذي هو الطلب الطلب ... أي الغير مشوب بعدم الطلب ـ أي الترخيص ـ ، أمّا الإستحباب فهو مشوب بعدم الطلب ـ أي الترخيص ـ ،
[٨٠] تجد كلتا الروايتين في ئل ١٥ ب ٣٤ من أبواب أحكام الأولاد ح ١ و ٢ ص ١٣٦ .
[٨١] فُـصِّلَت ـ ٤٠ .