دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٤٢٠ - * وأمّا في النقطة الثانية ـ وهي في الردّ على الأخباريـين ـ فالكلام فيها يقع في جهتين
عليه ، وذلك أن أهل كل مذهب استـندوا في تقوية ذلك المذهب إلى دلائلَ كثيرةٍ من العقل ، وكانت مقبولةً في عقولهم معلومة لهم ، ولم يعارضها سوى دلائل العقل لأهل القول الآخر أو دلائل النقل ، وكلاهما لا يصلح للمعارضة لما قلتم ، لأن دليل النقل يجب تأويله ودليل العقل لهذا الشخص لا يكون حجة على غيره ، لأنّ عنده مثلَه ويجب عليه العمل بذلك ، مع أن الأصحاب رضوان الله عليهم ذهبوا إلى تكفير الفلاسفة ومن يحذو حذوهم وتـفسيقِ أكثر طوائف المسلمين ، وما ذاك إلا لأنهم لم يقبلوا منهم تلك الدلائل ولم يَعُدّوها من دلائل العقل" إنـتهى كلامُه ...
نعم لا ريب أن العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه وسراج منير من جهته جل شأنه ، وهو موافق للشرع ، بل هو شرع من الداخل كما أن ذلك شرع من خارجه ، لكن ما لم تغيره غلبة الأوهام الفاسدة ، وتـتصرف فيه العصبـية أو حب الجاه أو أو ..
ولا ريب أن الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها كلها توقيفية تحتاج إلى السماع من حافظ الشريعة ، ولهذا قد استـفاضت الأخبار كما قد مر بك الإشارة إلى شطرٍ منها في المقدمة الثالثة بالنهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم (ع) وعلم صادر عنهم صلوات الله عليهم ووجوبِ التوقف والإحتياط مع عدم تيسر طريق العلم ووجوب الرد إليهم في جملة منها ، وما ذاك إلا لقصور العقل المذكور عن الإطلاق على أغوارها وإحجامه عن التلجج في لجج بحارها ، بل لو تم للعقل الإستقلال بذلك لبطل إرسال الرسل وانزال الكتب ، ومن ثم تواترت الأخبار ناعيةً على أصحاب القياس بذلك .
ومن الأخبار المؤكدة لما ذكرنا روايةُ أبي حمزة عن أبي عبد الله جعفر (ع) في حديث طويل قال : "إن الله لم يَكِلْ أمْرَه إلى خلقه ، لا إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل ، ولكنه أرسل رسولاً من ملائكته فقال له : قل كذا وكذا ، فأمرهم بما يجب ونهاهم عما يكره .." .
ومنها رواية أبي بصير قال قلت : ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُنَّة فنـنظر فيها ؟ فقال : "لا ، أما أنك إن أصبت لم تؤجر وإن أخطأت كذبت على الله" .
ومنها حديث يونس عن أبي الحسن (ع) قال :"من نظر برأيه هلك ومن ترك أهل بـيت نبـيه ضَلَّ" .
وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين (ع) : "إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أتاه من ربه فأخذ به" .
وفي آخر لما قال السائل له (ع) : ما رأيك في كذا ؟ قال (ع) : "وأي محل للرأي هنا ؟ إنّا إذا قلنا حدثـنا عن رسول الله (ص) عن جبرائيل عن الله" إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة معنى الدالة على كون