سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٧٠٢ - الفصل الخامس و العشرون جيش اسامة
الجماهير المدهوشة و يمينهم بحياة اعز الناس عليهم تارة، و يخوفهم بالقتل و تقطيع الأيدي و الأرجل إذا لم يقتنعوا بحياته اخرى كان لها اثرها على الذين تتملكهم العاطفة الهائجة في مثل هذه الحالات فيتعلقون بالأوهام لا سيما اذا كان فقيدهم من النوع الذي يجوز عليه ما لا يجوز على سائر الناس.
ان عمر بن الخطاب كان ابعد الناس عن التعلل بمثل هذه الأوهام، و لم يتردد لحظة واحدة في وفاة النبي، بل كان منذ ان اشتد به المرض على ثقة بأنه سيلاقي ربه، و لذا تخلف عن جيش اسامة و حاول ان يحول دون تنفيذ الجيش، و حينما طلب النبي دواة و قرطاسا ليملي عليهم عهده قال انه ليهجر حسبنا كتاب اللّه، و إذا كان معتقدا بأنه لا يموت فما يضره ان يعهد لأي كان من الناس، و لا معنى لقوله حسبنا كتاب اللّه إلا ان كتاب اللّه يكفينا بعد موتك فلا حاجة لنا بكتابك.
و لا اظن احدا يعرف عمر بن الخطاب، و يحتمل به انه كان ظانا او معتقدا لما يقول الا بعض اغبياء الشيعة الذين اتهموه بالجهل بأبسط الأمور، و قالوا بأن من يجهل ذلك فكيف يصلح للخلافة، و جماعة من السنة الذين قالوا بأنه اصيب بدهشة افقدته وعيه من صدمة النبأ على حد تعابيرهم المتكررة في مقام الاعتذار عنه.
انه كان يعلم هو و غيره من المسلمين ان النبي قد نص على علي بالخلافة اكثر من مرة، و يعلم ان بعث اسامة في ذلك الوقت بالذات و اصرار النبي على تنفيذه على هذا النحو و انكاره عليه و على ابي بكر تخلفهما عن الالتحاق بالجيش انما هو ليخلو الجو لعلي (ع) و تتم خلافته في غيابهما بدون منازع و يعلم أيضا ان الكتاب الذي اراد ان يكتبه لهم لا يعدو ان يكون نصا قاطعا على خلافة علي من بعده، و لذلك عارض و قال كلمته التي من اجلها ترك النبي الكتابة.