سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٤٣ - اسلام عمار بن ياسر
محمدا بما يريدون، فأطلقوا سراحه عند ذلك فجاء الى النبي باكيا، و النبي (ص) يسليه و يعزيه بفقد أمه و أبيه، و هو يبكي و يقول لم أترك يا رسول اللّه و قد أكرهوني حتى نلت منك و ذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي (ص) كيف تجد قلبك يا عمار قال انه مطمئن بالايمان يا رسول اللّه، فقال فما عليك فإن عادوا إليك فعد لما يريدون فقد انزل اللّه فيك إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.
و سلم عمار من الموت الذي نزل بأبويه على يد أبي جهل و أبي سفيان و أبي لهب و غيرهم من جبابرة قريش و طغاتها الذين نكلوا بالضعفاء و العبيد و الفقراء كما نكلوا بعمار و أبويه و أطعموهم للسياط و النيران فمات منهم من مات، و شاءت الأقدار ان يسلم عمار ليبقى في تاريخ الاسلام رمزا للبطولات و التضحيات و علما من أعلام المسلمين الذين جاهدوا و ناضلوا في سبيل المبدأ و العقيدة، و ختموا حياتهم كما بدءوها بالجهاد في سبيل اللّه و بالشهادة على يد الفئة الباغية.
لقد كان عمار بن ياسر صديقا حميما لمحمد (ص) قبل الدعوة يكبر فيه كل صفاته، و يرى فيه جديدا كلما مرت الأيام و الشهور، و لما دعاه الى الايمان باللّه اسرع الى الايمان به هو و أبوه و أمه، و ظل وفيا للاسلام سخيا في البذل و العطاء طيلة حياته مع الرسول و بعد وفاته، اذا رأى باطلا ثار عليه لا يلين و لا يستكين، و اذا رأى انحرافا عن الحق وقف الى جانب الحق و لو كانت الدنيا باسرها مع الباطل و أهله و صدقت فيه نبوءة الرسول (ص): عمار مع الحق و الحق مع عمار يدور معه كيفما دار، و قد لاقى في سبيل تصلبه في الحق من المسلمين ما لاقاه من مشركي مكة حينما انتقد تصرفاتهم و استئثارهم بأموال العباد و تبذيرها لصالح الفئة التي كانت تحيط بالخليفة من ذويه و أرحامه.
فقد جاء في شرح النهج انه لما كثرت الأحداث في عهد عثمان كان عمار بن ياسر من الناقمين على تلك الأوضاع التي انحرفوا فيها عن سنة الرسول و سيرة من تقدمهم من الخلفاء، و كان في بيت مال المدينة حلي