سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٣٦ - الفصل الثاني و العشرون غزوة تبوك
ترى ان هذا التبدل الذي حدث في الحجاز من اقصاه الى اقصاه اذا استتب و استقر يشكل خطرا عليها، فحشدت جيوشها على الحدود لغزو الحجاز، و لما بلغ النبي خبرهم تحرك من المدينة في ثلاثين الفا او اكثر من ذلك، و حينما بلغتهم اخباره استولى عليهم الخوف فانسحبوا الى داخل حصونهم و اعتصموا بها خوفا من ذلك الجيش الزاحف بقيادة محمد بن عبد اللّه (ص)، و حينما بلغ تبوك لم يجد غير سكان المنطقة فنزلوا على شروطه و عاهدوه ان لا يتعاونوا مع احد عليه، و لا يتخذوا من بلادهم مركزا للعدوان على اراضي الحجاز، و بذلك يكون النبي قد حقق في هذه الغزوة انتصارا لم تحققه غزوة من غزواته، فلقد انهار ذلك الجيش الذي يبلغ مائتي الف او يزيد و انسحب عن خط المواجهة الى حصونه و معسكراته و سلمت للمسلمين تلك المناطق المتاخمة لحدود الحجاز بعد ان التزم اهلها بالجزية و عاهدوا النبي على ان لا يتعاونوا مع احد ضده.
و لكن اكثر المسلمين لم يدركوا تلك النتائج التي حققتها تلك الغزوة و لم يقيموا لها وزنا، و جعل جماعة من المنافقين يهزأون مما تم فيها، لأنها لم تدر عليهم ربحا ماديا كبقية الغزوات و لم تحقق لهم الأهداف التي كانوا يحلمون بها.
و جاءه جماعة ممن تخلف عنه يعتذرون إليه فلم يقبل معذرتهم، و بدأ يتشدد في معاملة المنافقين شدة لم يألفوها من قبل، و تبين له بعد ان عسكر ابن ابي فيهم و لم يكونوا بأقل مما كان معه كما جاء في رواية ابن هشام و ابن سعد و غيرهما، تبين له ان التساهل معهم يشجعهم على الفساد و بث الفوضى في صفوف المسلمين.
و جاء القرآن الكريم ليطلعه على كثير من اخبارهم و تصرفاتهم و يحذره مكرهم و وساوسهم و يأمره ان لا يستعين بهم في حرب اعدائه و ان لا يقبل لهم معذرة فقال سبحانه في سورة التوبة:
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (التوبة ٨٣).