سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٢ - الزعامة المكية بين الخزاعيين و العدنانيين
بدية القتلى من أصحاب قصي، و ان تترك الكعبة و مكة لقصي يتصرف فيها حسبما تفرضه المصلحة.
و بالفعل فقد قام قصي بالمهمة التي تولاها، و أول عمل باشره ان جمع القرشيين في الحرم و أسكنهم فيه، بعد ان كانوا يقيمون فيه نهارا فاذا جاء المساء خرجوا منه الى مساكنهم التي اتخذوها لأنفسهم خارج الحرم.
و نظرا لأنه قد شذ عن المألوف في هذا التصرف و جعل لقريش دون سواهم هذا الامتياز الذي يرفع من شأنهم، لذلك فقد لقي من كنانة و غيرها من أشراف العرب عتابا مرا على عمله هذا، و تعرض لنقمة العرب عليه، و لكنه استطاع بحكمته ان يصرف الانظار عن عمله هذا، فجمع قريشا و فرض على كل انسان مبلغا من المال ليصنع طعاما للوافدين في موسم الحاج، و نحر على كل طريق من الطرق المؤدية لمكة جزورا، و عين موضعا من مكة لصنع الطعام للحجاج فأطعمهم فيه و سقاهم اللبن فوجدوا في عهده ما لم يجدوه في عهد غيره، فاتجهوا إليه و ساندوه في جميع تصرفاته. و مضى هو يعمل لصيانة البيت و تثبيت زعامته، و عين للكعبة حجابا و اتخذ كل ما من شأنه ان يحول بين خزاعة و بين البيت، ثم بنى داره بمكة التي عرفت فيما بعد بدار الندوة، و لم يكن في مكة غيرها يوم ذاك، ثم اتجه الناس للبناء فيها بعد ان كانوا يسكنون في الشعاب و رءوس الجبال فجمعهم في مكة و قسم أباطحها أرباعا بين القرشيين، فسماه الناس مجمعا، و إليه يشير الشاعر بقوله:
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا* * * به جمع اللّه القبائل من فهر
و لما استقام امره و أذعن له القريب و البعيد من العرب أعاد بناء البيت بناء محكما و رفع جدرانه ضعفي ما كانت عليه أولا، و أوصى بالسقاية و الرئاسة لولده المغيرة المعروف بعبد مناف، و جعل لكل واحد من أولاده