سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٦ - تمهيد
أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.
و جاء في الاغاني و غيرها ان الحبشة كانت متجرا لقريش و ان القرشيين كانوا على اتصال دائم ببلاد الحبشة للأغراض التجارية و غيرها، و هذا الاختلاط المباشر القائم على الرحلات التجارية و غيرها لهنا و هناك، كان يزودهم بالمعلومات الكثيرة عن حضارة تلك البلاد و عاداتها و معتقداتها و غير ذلك و لا بد و ان يستفيدوا منه في تحسين أوضاعهم الى حد ما.
و كما استفاد عرب الحجاز من جيرانهم بمقتضى هذا النحو من الاتصال، استفاد عرب الحيرة من جيرانهم الفرس، و بخاصة بعد أن أنشؤوا دولة المناذرة في تلك المنطقة التي تفصلهم عن المناطق التابعة لحكم الرومان و بحكم هذا الاتصال المباشر بينهم و بين الفرس، فقد كانوا أرقى من عرب الجزيرة و أقرب الى الحضارة منهم كما تؤكد ذلك المؤلفات في تاريخ العرب قبل الاسلام، ذلك لان عرب الحجاز كانوا مستقلين عن غيرهم استقلالا كاملا و لا يرتبطون بجيرانهم إلا بالاستيراد و التصدير و الرحلات التجارية، في حين ان الفرس كان لهم نحو من الاشراف على شئون البلاد و ادارات الدولة و جميع شئونها، و كان ملك الفرس يختار أحيانا بعض العرب لادارة بعض أعماله.
و جاء في المجلد الثاني من تاريخ ابن خلدون ان عدي بن زيد كان من تراجمة ابرويز ملك الفرس، و ان أباه زيدا كان شاعرا و قارئا لكتب الفرس و العرب.
و يدعي فريق من الكتاب بأن عرب الحيرة قد تسربت إليهم بعض علوم اليونان و آدابها معتمدين في ذلك على ان الحكومة الفارسية في عهد هرمز الاول أنشأت بعض المستعمرات و أقامتها على سواعد الاسرى الرومانيين، و كان من بين هؤلاء من تأثروا بالثقافة اليونانية و سبقوا الفرس أشواطا بعيدة