سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٤ - تمهيد
عبادة الشمس و القمر و التماثيل و الأحجار، و وقف كل انسان لأخيه الانسان ينتهز الفرصة للوقيعة به، و الاستيلاء على موارد رزقه، فكانت الحروب الدامية و الغارات و القتل و التشريد و الروح القبلية العاتية التي كانت تتحكم بمصيرهم و تحدد موقف القبيلة من غيرها يوم ذاك اما بحرب صاعقة تجر الفناء و الدمار، أو بسلم مهدد بالزوال لأبسط الأسباب، الى غير ذلك من الصفات المتشابهة التي استعملها الكتاب في تصوير العرب قبل مجيء الاسلام.
و في عقيدتي أن هؤلاء الذين حاولوا ان يجعلوا من العرب في جاهليتهم الأولى و الثانية أمة لا تشبه الا الوحوش الضارية في متاهات الأحراش و الغابات قد تخطوا الواقع في أحكامهم الى حدود الجور، و بالغوا في تجريحهم الى حدود الغلو و الإسراف، ذلك لأن الباحث في تاريخهم لا يجد اكثر من بعض الفوارق بينهم و بين غيرهم من الأمم كالفرس و الرومان و غيرهما كانت تفرضها طبيعة الصحراء القاسية التي لا تملك الأسباب الكافية كغيرها من الأمم التي سادها الهدوء و الاستقرار و توفرت لديها أسباب الحضارة و العمران، و الذين ذهبوا الى هذا الرأي من الكتاب العرب و المستشرقين كانوا أكثر اعتدالا من أولئك الذين جردوهم من انسانيتهم و ألحقوهم بالوحوش الضارية و الذئاب الكاسرة و بخاصة في الفترة التي تلتها بعثة الرسول (ص) ذلك لأن العرب كانوا على اتصال وثيق بمن حولهم من الأمم المتحضرة كالفرس و الرومان، و كانت التجارة التي تربطهم بهم تزودهم بالفوائد المادية و الأدبية، هذا بالاضافة الى ان الفرس و الرومان قد وفروا للامارات العربية التي أنشئت على مقربة من حدودهم في الحيرة و سوريا وسائل الاستقرار و أسباب العيش ليكونوا لهم ردءا يصدون غارات البدو و الغزاة من شبه الجزيرة و غيرها، و امتزج هؤلاء بجيرانهم و أخذوا عنهم الكثير من العادات و الأفكار و المعارف.
و اذا رجعنا الى الأديان التي انتشرت في تلك المناطق و أردنا ان نحكم