سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٥ - تمهيد
من خلالها على الانسان العربي، نجد ان الوثنية و ان كانت متفشية بين سكان شبه الجزيرة، إلا انا نجد اليهودية و النصرانية الى جانبها تسيطران في بعض المناطق منها، فالمدينة و أكثر المناطق المجاورة لها كانت مقرا لليهودية، كما كانت نجران و بعض المناطق الاخرى تسيطر عليها اليهودية حينا و النصرانية حينا آخر، و هؤلاء كانوا يحرصون أشد الحرص على نشر دينهم و تعاليمهم في تلك المناطق، و توفرت لديهم الامكانيات المادية التي ساعدتهم على ذلك، فقد اشتهر يهود شبه الجزيرة بالزراعة، كما اشتهروا في يثرب و جوارها بالصناعات كالحدادة و الصياغة و صنع الاسلحة و نحو ذلك من الصناعات التي يسرت لهم استغلال موارد السكان و بسط نفوذهم حيث حلوا و أقاموا، و كانت القبيلتان الأوس و الخزرج تحسان بمرارة تسلط اليهود على مواردهم، و لكنهم لا يجدون السبيل الى التخلص مما أحيط بهم و ربما حدثت بين الحين و الآخر مناوشات بين الطرفين، و كانت تنتهي بدون أن تحقق لاحدهما النصر الحاسم.
و من غير البعيد ان يكون هذا الوضع قد ساعد على اقبال الأوس و الخزرج على الاسلام بتلك السرعة و انضوائهم تحت لوائه ليتخلصوا من استغلال اليهود و سيطرتهم على تلك المنطقة الغنية بسكانها و مواردها الاقتصادية.
على ان الوثنية و ان كانت الديانة الكبرى في شبه الجزيرة إلا أن الكثير من أولئك السكان كانوا على اتصال دائم بالامم المجاورة لحدود الحجاز كاليمن و سوريا و غيرهما و بخاصة قريش التي كانت تستغل جوار البيت فتجوب البلاد للتجارة و غيرها في فصلي الشتاء و الصيف من كل عام.
و نص بعض المؤلفين في تاريخ العرب ان الدولة الرومانية كانت قد أقامت لها في مكة مركزا تجاريا لتسهيل التصدير و الاستيراد منها و إليها، و كانت مكة من أوفر المدن الحجازية بوسائل العيش و أسباب الراحة كما تشير الى ذلك الآية: