سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٠٤ - الفصل الثالث في غار حراء
في كل ذلك كان يفكر في غار حراء ليبلغ الحقيقة العليا و يخترق الحجب الى ما وراء هذه المظاهر و هو على قناعة بأن ما يباشره قومه من شئون الحياة و ما يتقربون به الى آلهتهم ما هو الا جهل و ضلال و في كل ساعة بل و لحظة يضيفون جهلا الى جهل و ضلالا الى ضلال بعبادتهم للأصنام التي لا تضر و لا تنفع و لا تخلق و لا ترزق و لا تدفع عن احد غائلة شر يصيبه.
ان هبل و اللات و العزى و مناة الثالثة الأخرى و كل الأنصاب و الأصنام التي تراكمت حول الكعبة و في جوفها و على سطحها لم تخلق يوما و لو ذبابة و لم تدفع عن احد شر ذبابة و لا صنعت لمكة و اهلها خيرا، و ما هي الا اخشاب و احجار و تماثيل صنعها الانسان بيده و اتجه إليها بقلبه و لسانه من دون اللّه جهلا و ضلالا و كلما رآهم يلوذون بها تتلوى نفسه حسرة و حيرة و يتمنى عليهم ان يرجعوا الى رشدهم فيعبدوا رب البيت الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف.
في غار حراء كان محمد بن عبد اللّه في شهر رمضان من كل عام قبيل مبعثه و قد اخذت سنه تتجه نحو الأربعين يتجه الى اللّه خالق الكون بعقله و قلبه نائيا بجسمه و روحه عن أرجاس الجاهلية و الوثنية و مساوئهما حتى بلغت نفسه الطاهرة مرتبة تنعكس فيها أشعة الغيب لا يرى رؤيا الا جاءت كفلق الصبح، فاذا انقضى الشهر عاد الى مكة و على وجهه الكريم شحوب و في جسمه نحول مما كان يعانيه على قومه و على المستضعفين في الأرض فتستقبله زوجته الوفية الصادقة التي كانت تتلوى من اجله و لم تكن تعلم ما سيكون من امره. ثم يستأنف حياته العامة و ادارة شئونه و أهل مكة و كل من عرفه من الاعراب خارجها ينظرون إليه باكبار و اعجاب و هو مع كل ذلك يزداد تواضعا و وفاء و عطفا على الفقراء و المعذبين، فاذا استدار العام و جاء الشهر الذي اعتاد ان يأوي فيه الى حراء رجع الى عبادة ربه و تفكيره و تأملاته، و نفسه تزداد صفاء و اشراقا و الحقائق تنجلي لديه شيئا فشيئا و تنعكس على صفحات قلبه فيبصر في يومه ما سيكون في غده، ثم يعود الى ما بأيدي الناس من تراث الهداة الأولين