تحرير المجلة - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٥٣ - الفصل الثالث في بيان من كان خصما و من لم يكن
مثلا: لو ادّعى زيد على شخص من غير أهل بلاده، و لم نعرف له علاقة به و لا صلة معه بدين، فأنكر الآخر، فزيد هو المدّعي على جميع التقادير المتقدّمة، و الشخص منكر على كلّ تقدير منها.
و لكن لو ادّعت الزوجة التي تسكن مع زوجها-مع يساره و صلاحه- أنّه لا ينفق عليها فهي منكرة على الأوّل و الأخير مدّعية على الثاني و الثالث.
و ربّما يتحصّل فرض يختلف فيه كلّ فرض مع الآخر.
و التحقيق المهمّ هنا ليس ترجيح إحدى هذه الضوابط على سائرها، و إنّما المهمّ شيء أدق و أحق بالبحث، و هو: أنّ هذين اللفظين-أعني:
المدّعي و المنكر-ليس للشارع فيهما اصطلاح خاصّ و لا له فيهما حقيقة شرعية حتّى نبحث عن ذلك المعنى المجعول، و هو ما يسمّيه بعض:
بالموضوعات المستنبطة كالكرّ و المسافة و الزكاة و الصلاة و نظائرها، و إنّما المراد به المعنى اللغوي أو العرفي، و التعاريف كلّها طالت أو قصرت كلّها لتحديد ذلك المعنى و الكشف عنه بجملة جامعة مانعة.
و لننظر أوّلا إلى تصاريف هذه المادّة، أعني: المدّعي.
و لا خفاء أنّها مأخوذة من الدعوة، و هي مصدر أو اسم مصدر من دعا يدعو دعاء و دعوة، و يرجع أصلها إلى الطلب، و دعاه: طلبه أو طلب منه، و إليه يرجع المضاعف، و هو ادّعاه دعوى، أي: تطلّب منه حقّا أو شيئا.
إذا فالمدّعي هو: الذي يطلب منه غيره شيئا سواء كان طلبه موافقا للأصل أم لا، موافقا للظاهر أو مخالفا.