تحرير المجلة - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٥٢ - الفصل الثالث في بيان من كان خصما و من لم يكن
و كأنّ أصحاب (المجلّة) أرادوا هذا الوجه الأخير، فقصرت عباراتهم عن القصد الصحيح حيث جعلوه ضابطة للخصم الذي لا يتعلّق به غرض أصلا و إنّما المهمّ هو المدّعي و المنكر، فساء البيان و اختلّ الميزان و تنافرت الإطاعة و العصيان!
ثمّ إنّ تلك التعاريف قد تنطبق على مورد واحد متصادقة عليه و قد تتنافر في موارد أخرى.
ق-راجع الأم ٦: ٢٤٧.
و يظهر ممّا تقدّم أنّ الشقّة ليست بعيدة بين المعيار الذي قال به المالكية من أجل التمييز بين المدّعي و المدّعى عليه و بين المعيار الذي قال به الشافعية، بل إنّهما يكادان يتشابهان على ما قيل، و الخلاف بينهما منحصر في التطبيق، و ذلك عندما يتعارض أمران من أمور الظاهر، فالشافعية يرون الأصل أقوى منابع الظهور غالبا، و المالكية يرون أنّ دلائل الحال من عرف و قرائن أقوى من ذلك، و كلّ منهما قدّم الأقوى في نظره و جعل مخالفه مدّعيا و عليه البيّنة.
الاتّجاه الثاني: ما ذهب إليه معظم فقهاء الحنفية و بعض فقهاء المذاهب الأخرى، و هو:
تعريف المدّعي بأنّه: من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها، و المدّعى عليه بعكسه.
انظر: المبسوط للسرخسي ١٧: ٣١، الوجيز ٢: ٢٦٠، المغني ١٢: ١٦٢، تبيين الحقائق ٤:
٢٩١، تبصرة الحكّام ١: ١٢٤.
و مثله قول الحنابلة، إلاّ أنّهم ذهبوا إلى: اشتقاق تعريف المدّعي و المدّعى عليه من تعريف الدعوى نفسها، فالمدّعي عندهم هو: منشئ الدعوى، و المدّعى عليه هو: من يضاف استحقاق شيء عليه و إذا سكت لم يترك.
لاحظ المغني ١٢: ١٦٢.
و قال بعض الفقهاء: المدّعي هو: من يطالب غيره بحقّ يذكر استحقاقه عليه، و المدّعى عليه:
من يطالبه غيره بحقّ يذكر استحقاقه عليه.
و قال آخرون: المدّعي هو: من يلتمس قبل غيره لنفسه عينا أو دينا أو حقّا، و المدّعى عليه هو: من يدفع ذلك عن نفسه.
لاحظ بدائع الصنائع ٨: ٤١٧.