تحرير المجلة - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٥٠ - الفصل الثالث في بيان من كان خصما و من لم يكن
ق-٥-الأصل في الإنسان الفقر لسبقه حيث يولد خالي اليد فيكتسب بعمله و يصبح غنيا.
غير أنّهم قالوا: إنّ الناس محمولون على الملاء لغلبته، فهذا من جملة ما تعارض فيه الأصل و الغالب، و قدّم الأخير فيه.
و فرّعوا على ذلك: أنّ زاعم الإعسار يعتبر مدّعيا و إن وافقه الأصل الذي هو الفقر، فهو المدّعي و المطالب بالبيّنة على الإعسار.
و أمّا الظاهر فيستفاد من أحد أمرين:
أوّلهما: العرف، و يعبّر عنه بالمعهود و الغالب و العادة.
و استدلّوا على حجّيته بقوله تعالى: خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجََاهِلِينَ (سورة الأعراف ٧: ١٩٩) .
و قد قالوا: العرف مقدّم على الأصل، و كلّ أصل كذّبه العرف رجح هذا الأخير عليه.
و استثني من ذلك بعض المسائل، منها: ما لو ادّعى الصالح التقي العظيم المنزلة و الشأن في العلم و الدين على أفسق الناس و أدناهم علما و دينا درهما واحدا، فإنّ الغالب صدقه، و الأصل براءة الذمّة، فيقدّم الأصل على الغالب في هذه الصورة.
لاحظ: القوانين الفقهية لابن جزي ١٩٨، تهذيب الفروق ٤: ١١٩-١٢٠.
ثانيهما: القرائن و ظواهر الحال و غلبة الظنّ.
فمن حاز شيئا مدّة يتصرّف فيه، ثمّ ادّعاه غيره، فإنّه يرجّح قول الحائز في دعوى الملكية، و يكون الآخر مدّعيا؛ لأنّ قوله يخالف الظاهر المستنبط من الواقع و القرائن، فيكلّف بالبيّنة، فإن عجز عنها وقعت دعواه بيمين الحائز.
انظر القوانين الفقهية لابن جزي ١٩٧-١٩٨.
و قد استثنى المالكية من القاعدة السابقة في التمييز بين المدّعي و المدّعى عليه بعض المسائل، إمّا للمحافظة على المصلحة العامّة، و إمّا للضرورة.
كما في قول الأمناء في تلف الأمانات التي بين أيديهم، فإنّه يقبل مع أنّ الأصل عدمه؛ لأنّه أمر عارض، و إنّما قبل كيلا يزهد الناس في قبول الأمانات فتفوت هذه المصلحة.
و كما في قول الغاصب بتلف المغصوب، فإنّه يقبل مع يمينه؛ للضرورة، و يعتبر مدّعى عليه؛ إذ لو لم يقبل قوله و اعتبر مدّعيا لكان مصيره الخلود في السجن. -