المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٨٨
مطلوبهم، فأى نعيم و أى لذة و أى قرة عين و أى فوز يدانى تلك المعية و لذتها، و قرة العين بها، و هل فوق نعيم قرة العين بمعية اللّه و رسوله نعيم، فلا شيء- و اللّه- أجل و لا أكمل و لا أجمل و لا أجلى و لا أحلى و لا أعلى و لا أغلى من حضرة يجتمع فيها المحب بأحبابه فى مشهد مشاهد الإكرام حيث ينجلى لهم حبيبهم و معبودهم الإله الحق جل جلاله خلف حجاب واحد فى اسمه الجميل اللطيف، فينفهق عليهم نور يسرى فى ذواتهم فيبهتون من جمال اللّه، و تشرق ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس، بحضرة الرسول الأرأس، و يقول لهم الحق جل جلاله: سلام عليكم عبادى، و مرحبا بكم أهل ودادى، أنتم المؤمنون الآمنون، لا خوف عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون، أنت أوليائى و جيرانى، و أحبابى، إنى أنا اللّه الجواد الغنى، و هذه دارى قد أسكنتكموها، و جنتى قد أبحتكموها، و هذه يدى مبسوطة ممتدة عليكم، و أنا ربكم أنظر إليكم، لا أصرف نظرى عنكم، أنا لكم جليس و أنيس، فارفعوا إلى حوائجكم، فيقولون ربنا حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم و الرضا عنا، فيقول لهم جل جلاله: هذا وجهى فانظروا إليه و أبشروا، فإنى عنكم راض، ثم يرفع الحجاب و يتجلى لهم فيخرون سجدا فيقول لهم: ارفعوا رءوسكم، فليس هذا موضع سجود يا عبادى، ما دعوتكم إلا لتتمتعوا بمشاهدتى، يا عبادى قد رضيت عنكم فلا أسخط عليكم أبدا.
فما أحلاها من كلمة، و ما ألذها من بشرى، فعندها يقولون: الحمد للّه الذي أذهب عنا الحزن، و أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب و لا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور.
و هذا يدل على أن جميع العبادات تزول فى الجنة إلا عبادة الشكر و الحمد و التسبيح و التهليل. و الذي يدل عليه الحديث الصحيح، أنهم يلهمون ذلك كإلهام النفس، كما فى مسلم من حديث جابر: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «يأكل أهل الجنة فيها و يشربون، و لا يمتخطون و لا يبولون، و يكون طعامهم ذلك جشاء و رشحا كرشح المسك، يلهمون التسبيح و الحمد، كما يلهمون النفس، يعنى أن تسبيحهم و تحميدهم يجرى مع الأنفاس»، فليس