المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٦ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
نبى يرى ما لا يرى الناس حوله * * * و يتلو كتاب اللّه فى كل مشهد
فإن قال فى يوم مقالة غائب * * * فتصديقها فى ضحوة اليوم أو غد
و هذا الفصل ينقسم قسمين:
الأول: فيما أخبر به- صلى اللّه عليه و سلم- مما نطق به القرآن. من ذلك: فى قوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ إلى قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا [١] فقوله وَ لَنْ تَفْعَلُوا إخبار عن غيب تقضى العادة بخلافه.
و من ذلك: قوله تعالى: وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [٢] الآية، فإنه قد كان لقريش قافلتان: إحداهما ذات غنيمة دون الأخرى، فأخبر اللّه تعالى عما فى ضمائرهم، و أنجز ما وعد، و لا شك أن الوعد كان قبل اللقاء، لأن الوعد بالشيء بعد وقوعه غير جائز.
و من ذلك: قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ [٣]، و هذا إخبار عن المستقبل، لأن «السين» بمعنى الاستقبال، يعنى كفار قريش يوم بدر، و قد كان عددهم ما بين التسعمائة إلى الألف، و كانوا مستعدين بالمال و السلاح، و كان عدد المسلمين ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا، و ليس معهم إلا فرسان، إحداهما للزبير بن العوام، و الأخرى للمقداد، فهزم اللّه المشركين و مكن المسلمين من قتل أبطالهم و اغتنام أموالهم.
و من ذلك: قوله تعالى فى كفار قريش سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً [٤]، يريد ما قذف اللّه فى قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال و رجعوا من غير سبب، و نادى أبو سفيان: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن
[١] سورة البقرة: ٢٣، ٢٤.
[٢] سورة الأنفال: ٧.
[٣] سورة القمر: ٤٥.
[٤] سورة آل عمران: ١٥١.