المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣١٠ - الباب الرابع فى صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الوتر
و الجمع بين هذا و بين ما تقدم من النهى عن التشبيه بصلاة المغرب، أن يحمل النهى على صلاة الثلاث بتشهدين، و قد فعله السلف أيضا. و روى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهض إلى الثالثة من الوتر بالتكبير، و من طريق المسور بن مخرمة: أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا فى آخرهن، و من طريق ابن طاوس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث لا يقعد بينهن.
و كان ابن عمر يسلم من الركعة و الركعتين فى الوتر. حتى يأمر ببعض حاجته، و هذا ظاهره أنه كان يصلى الوتر موصولا، فإن عرضت له حاجة فصل ثم بنى على ما مضى. و فى هذا رد على من قال: لا يصح الوتر إلا موصولا.
و أصرح من ذلك ما روى الطحاوى من طريق سالم بن عبد اللّه بن عمر عن أبيه، أنه كان يفصل بين شفعه و وتره بتسليمة، و أخبر أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كان يفعله، و إسناده قوى. و قد استدل بعضهم على فضل الفصل بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- أمر به و فعله، و أما الوصل فورد من فعله فقط و قد حمل المخالف من الحنفية كل ما ورد من الثلاث على الوصل، مع أن كثيرا من الأحاديث ظاهر فى الفصل، كحديث عائشة «يسلم من كل ركعتين» [١] فإنه يدخل فيه الركعتان اللتان قبل الأخيرة، فهو كالنص فى موضع النزاع.
و قد حمل الطحاوى هذا و مثله على أن الركعة مضمومة إلى الركعتين قبلها، و لم يتمسك فى دعوى ذلك إلا بالنهى عن البتيراء، مع احتمال أن يكون المراد بالبتيراء أن يوتر بواحدة فردة ليس قبلها شيء، و هو أعم من أن يكون مع الوصل و الفصل. و قد اختلف السلف فى أمرين:
أحدهما: فى مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس.
و الثانى: فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل فى الليل، هل يكتفى بوتره الأول
[١] صحيح: أخرجه مسلم (٧٣٦) فى صلاة المسافرين، باب: صلاة الليل و عدد ركعات النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى الليل.