المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٦١ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
قال: لمن يعطى الثمن، فقال: يا رب، و من يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال:
بما ذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب فإنى قد عفوت عنه، قال اللّه تعالى:
فخذ بيد أخيك و أدخله الجنة»، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عند ذلك: «اتقوا اللّه و أصلحوا ذات بينكم، فإن اللّه يصلح بين المسلمين يوم القيامة» [١]. رواه الحاكم و البيهقي فى البعث، كلاهما عن عباد بن أبى شيبة الحبطى، عن سعيد ابن أنس عنه، و قال الحاكم: صحيح الإسناد، كذا قال.
و قد نقل: لو أن رجلا له ثواب سبعين نبيّا، و له خصم بنصف دانق لم يدخل الجنة حتى يرضى خصمه. و قيل: يؤخذ بدانق سبعمائة صلاة مقبولة فتعطى للخصم. ذكره القشيرى فى التحبير.
ثم بعد انقضاء الحساب يكون وزن الأعمال، لأن الوزن للجزاء فينبغى أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، و الوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها.
و قد ذكر اللّه تعالى الميزان فى كتابه بلفظ الجمع، و جاءت السنة بلفظ الإفراد و الجمع، فقيل: إن صورة الإفراد محمولة على أن المراد الجنس، جمعا بين الكلامين، و قال بعضهم: يحتمل أن يكون تعددها بتعدد الأعمال، فيكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكل ميزان منها صنف من أعماله، و ذهبت طائفة إلى أنها ميزان واحد يوزن بها للجميع، و إنما ورد فى الآية بصيغة الجمع للتفخيم، و ليس المراد حقيقة العدد، و هو نظير قوله: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [٢]، و المراد رسول واحد، و هذا هو المعتمد، و عليه الأكثرون.
و اختلف فى كيفية وضع الميزان، و الذي جاء فى أكثر الأخبار، أن الجنة توضع عن يمين العرش، و النار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان، فينصب بين يدى اللّه تعالى، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة، و كفة السيئات مقابل النار. ذكره الترمذى الحكيم فى «نوادر الأصول».
[١] أخرجه الحاكم فى «المستدرك» (٤/ ٦٢٠).
[٢] سورة الشعراء: ١٠٥.