المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٠٧ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى.
و قالت عائشة: يا رسول اللّه، ينطلقون بحج و عمرة و أنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج [١].
رواه الشيخان. و فى رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة و الصفا و المروة، ثم قال لها- يعنى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «قد حللت من حجك و عمرتك جميعا»، فقالت: يا رسول اللّه، إنى أجد فى نفسى أنى لم أطف بالبيت حين حججت، قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم»، و ذلك ليلة الحصبة. زاد فى رواية: و كان- صلى اللّه عليه و سلم- رجلا سهلا، إذا هويت شيئا تابعها عليه [٢].
و قد كانت عائشة قارنة، لأنها كانت قد أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج، و صارت قارنة، و أخبرها أن طوافها بالبيت و بين الصفا و المروة قد وقع عن حجها و عمرتها، فوجدت فى نفسها أن يرجع صواحباتها بحج و عمرة مستقلتين، فإنهن كن متمتعات و لم يحضن و لم يقرنّ، و ترجع هى بعمرة فى ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها.
ثم ارتحل- صلى اللّه عليه و سلم- راجعا إلى المدينة، فخرج من كدى [٣]- بضم الكاف مقصورا- و هى عند باب شبيكة، بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان.
و اختلف فى المعنى الذي لأجله خالف- صلى اللّه عليه و سلم- بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من فى طريقه، و قيل: الحكمة فى ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، و عكسه الإشارة إلى فراقه، و قيل: لأن إبراهيم- عليه الصلاة و السلام- لما دخل مكة دخل منها: و قيل غير ذلك.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٣١٧) فى الحيض، باب: نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض، و مسلم و قد تقدم. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٢] تقدم.
[٣] صحيح: أخرجه أبو داود (١٨٦٨) فى المناسك، باب: دخول مكة. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».