المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١ - الفصل الأول فى طبه- صلى اللّه عليه و سلم- لذوى الأمراض و العاهات
هو بأن حقيقة الحياة هى حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته باللّه، فتلك ساعات عمره، فالبر و التقوى و الطاعات تزيد فى هذه الأوقات التي هى حقيقة عمره، و لا عمر له سواها. و بالجملة: فالعبد إذا أعرض عن اللّه، و اشتغل بالمعاصى ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة.
و منها: أن المعصية تورث الذل.
و منها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورا، و المعصية تطفئ نور العقل.
و منها: أنها تزيل النعم و تحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، و لا حلت به نقمة إلا بذنب وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [١] و قد أحسن القائل:
إذا كنت فى نعمة فارعها * * * فإن الذنوب تزيل النعم
و حطها بطاعة رب العباد * * * فرب العباد سريع النقم
و من عقوباتها أنها تستجلب مواد هلاك العبد فى دنياه و آخرته، فإن الذنوب هى أمراض متى استحكمت قتلت و لا بد، و كما أن البدن لا يكون صحيحا إلا بغذاء يحفظ قوته، و استفراغ يستفرغ المواد الفاسدة الأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، و حمية يمتنع بها من تناول من يؤذيه و يخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان و الأعمال الصالحة يحفظ قوته، و استفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ المواد الفاسدة و الأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، و حمية توجب له حفظ الصحة، و تجنب ما يضادها، و هى عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، و التقوى اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.
و إذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، و توجب التخليط المضاد للحمية، و تمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح.
[١] سورة الشورى: ٣٠.