المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٠٠ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
و خالف فى ذلك المالكية و الحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة: سابع ذى الحجة، و يوم عرفة، و ثانى يوم النحر بمنى. و وافقهم الشافعى إلا أنه قال:
بدل ثانى النحر ثالثه، لأنه أول النفر، و زاد خطبة رابعة و هى يوم النحر، قال: و بالناس حاجة إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمى و الذبح و الحلق و الطواف.
و تعقبه الطحاوى: بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج، لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج، و إنما ذكر فيها وصايا عامة، و لم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا من الذي يتعلق بيوم النحر، فعلمنا أنها لم تقصد لأجل الحج.
و قال ابن بطال: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصى الدنيا، فظن الذي رآه أنه خطب. قال: و أما ما ذكره الشافعى: أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة: انتهى.
و أجيب: بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- نبه فى الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، و على تعظيم ذى الحجة، و على تعظيم البلد الحرام، و قد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، و ما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة، يعكر عليه فى كونه يرى مشروعية الخطبة ثانى يوم النحر، و كان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة، بل يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن لما كان فى كل يوم أعمال ليست فى غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب. و أما قول الطحاوى: «إنه لم ينقل أنه علمهم شيئا من أسباب التحلل» فلا ينفى وقوع ذلك أو شيء منه فى نفس الأمر، بل قد ثبت من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص أنه شهد النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يخطب يوم النحر، و ذكر فيه السؤال عن تقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوى هذا النفى المطلق. انتهى.
و قد روى أبو داود و النسائى عن عبد الرحمن بن معاذ التيمى قال: