المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٦٢ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
و اختلف أيضا فى الموزون نفسه. فقال بعضهم: توزن الأعمال نفسها.
و هى و إن كانت أعراضا إلا أنها تجسم يوم القيامة فتوزن و قال بعضهم:
الموزون صحائف الأعمال، و يدل له حديث البطاقة المشهور، و قد رواه الترمذى، من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص، يرفعه بلفظ: «إن اللّه يستخلص رجلا من أمتى على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة و تسعين رجلا، كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أ تنكر من هذا شيئا؟
أظلمك كتبتى الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أ فلك عذر؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، و إنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات فى كفة و البطاقات فى كفة، قال: فطاشت السجلات و ثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم اللّه شيء» [١].
فإن قلت: إن من شأن الميزان أن يوضع فى الكفة شيء و فى الأخرى ضده، فتوضع الحسنات فى كفة و السيئات فى كفة، و الذي يقابل شهادة التوحيد الكفر، و يستحيل أن يأتى عبد واحد بالكفر و الإيمان معا حتى يوضع الإيمان فى كفة و الكفر فى أخرى؟
أجاب الترمذى الحكيم: بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد فى كفة الميزان، و إنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر الحسنات. و يدل لما قاله قوله: «بلى إن لك عندنا حسنة» و لم يقل لك عندنا إيمانا. و قد سئل- صلى اللّه عليه و سلم- عن لا إله إلا اللّه، أمن الحسنات هى؟ فقال: من أعظم الحسنات. أخرجه البيهقي و غيره. و يجوز- كما قاله القرطبى فى التذكرة- أن تكون هذه الكلمة هى آخر كلامه فى الدنيا، كما فى حديث
[١] صحيح: أخرجه ابن ماجه (٤٣٠٠) فى الزهد، باب: ما يرجى من رحمة اللّه يوم القيامة. من حديث عبد اللّه بن عمرو- رضى اللّه عنهما-. و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن ابن ماجه».