المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٢٠٧ - الفرع الثانى فى ذكر قراءته- صلى اللّه عليه و سلم- البسملة فى أول الفاتحة
يرها من أم القرآن فهو مخير بين القراءة و الترك. فحينئذ الخلاف فيها كالخلاف فى حرف من حروف القرآن، و كلا القولين صحيح ثابت لا مطعن على مثبته و لا على منفيه. و لا ريب أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- تارة قرأ بها، و تارة لم يقرأ بها، هذا هو الإنصاف.
ثم قال: و المستيقن الذي يجب المصير إليه، أن كلّا من العملين ثابت، لأنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام أن هذه القراءات السبع كلها حق مقطوع بها من عند اللّه، و ليست هذه أول كلمة و لا أول حرف اختلف فى إثباته و حذفه، و قلّ سورة من القرآن ليس فيها ذلك، كلفظ «هو» فى سورة الحديد لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [١]، و لفظ «من» فى سورة التوبة، فى قوله تعالى: جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [٢]، و ألفات عديدة، و واوات، و هاءات كذلك، و كل هذا من نتيجة كون القرآن أنزل على سبعة أحرف، و هذا هو الذي يدلك على بطلان قول من لم يجعلها من الفاتحة لموضع اختلاف الناس فيها، و قوله: إن الاختلاف لا يثبت معه قرآن [٣]، فما أدرى ما هذا الظن. و هذا الذي ذكرناه هو الذي يريحك من تلك التقريرات من الجانبين.
ثم قال: و لا ريب أن الواقع من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كلا الأمرين، من الجهر و الإسرار، فجهر و أسر، غير أن إسراره كان أكثر من جهره، و قد صح فى الجهر أحاديث، لا مطعن فيها لمنصف نحو ثلاثة أحاديث، كما أنه قد صح فى الإسرار بها أحاديث لا مطعن فيها لعار من العصبية، و لا يلتفت لمن يقول: إن الواقع من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كان الجهر فقط، انتهى. و قيل لبعض العارفين: بما ذا ترى ظهر اسم الإمام الشافعى و غلب ذكره؟ أرى ذلك بإظهار اسم اللّه فى البسملة لكل صلاة. انتهى.
[١] سورة الحديد: ٢٤.
[٢] سورة التوبة: ٧٢.
[٣] يشير إلى أبى بكر بن العربى، صاحب تفسير أحكام القرآن.