المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٦ - ذكر طبه- صلى اللّه عليه و سلم- لداء استطلاق البطن
ثم جاء الرابعة فقال: «اسقه عسلا»، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: «صدق اللّه». و فى رواية أحمد عن يزيد بن هارون فقال فى الرابعة:
«اسقه عسلا»، قال فأظنه فسقاه فبرأ، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «صدق اللّه و كذب بطن أخيك».
قال الخطابى و غيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب فى موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أى زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى: كذب بطن أخيك، أى لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه.
و قال الإمام فخر الدين الرازى: لعله- صلى اللّه عليه و سلم- علم بنور الوحى أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه فى الحال مع كونه- صلى اللّه عليه و سلم- كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك كان جاريا مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ. و قد اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟
و أجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [١]. فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن و العادة و الزمان و الغذاء المألوف، و التدبير و قوة الطبيعة، و على أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، و اتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة و فعلها، فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف له- صلى اللّه عليه و سلم- العسل لدفع الفضول المجتمع فى نواحى المعدة من أخلاط لزجة تمنع من استقرار الغذاء فيها، و للمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها و أفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، و لا شيء فى ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، و إنما لم يفده أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار و كمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، و إن
[١] سورة يونس: ٣٩.