المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٧ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
شاء اللّه»، و قيل: لما رجعوا و كانوا ببعض الطريق ندموا، و عزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى اللّه فى قلوبهم الرعب.
و من ذلك: قوله تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ إلى قوله: لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ [١]، سبب نزول هذه الآية أن كسرى و قيصر تقاتلا فغلب كسرى قيصر، فساء المسلمين ذلك، لأن الروم أهل كتاب، و لتعظيم قيصر كتاب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و تمزيق كسرى كتابه، و فرح المشركون به، فأخبر اللّه تعالى بأن الروم بعد أن غلبوا سيغلبون فى بضع سنين، و البضع ما بين الثلاثة إلى العشر، فغلبت الروم أهل فارس يوم الحديبية، و أخرجوهم من بلادهم، و ذلك بعد سبع سنين [٢].
و من ذلك: قوله تعالى: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً [٣] فأخبر أنهم لا يتمنون الموت بالقلب و لا بالنطق باللسان مع قدرتهم عليه أبدا، فأخبر فوجد مخبره كما أخبر، فلو لم يعلموا ما يلحقهم من الموت لسارعوا إلى تكذيبه بالتمنى، و لو لم يعلم ذلك لخشى أن يجيبوا إليه فيقضى عليه بالكذب، قال البيضاوى: و هذه الجملة إخبار بالغيب و كان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا الموت لنقل و اشتهر، فإن التمنى ليس من عمل القلب فيخفى. و روى مرفوعا: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات و ما بقى يهودى على وجه الأرض» [٤].
و من ذلك: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا
[١] سورة الروم: ١- ٦.
[٢] قلت: عند الترمذى (٣١٩٣) فى التفسير، باب: و من سورة الروم، إلا أنه ذكر أن انتصار الفرس على الروم كان فى مكة، و انتصار الروم على الفرس كان مع بدر، فكان ذلك الفرح لأنهم أهل كتاب و أقرب إلى المسلمين من أهل الأوثان الذين هم أقرب إلى كفار قريش، و لا أظن ذلك يرجع إلى سبب معاملة كسرى و قيصر لرسل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، لأن ذلك كان بعد غزوة بدر بكثير.
[٣] سورة الجمعة: ٦، ٧.
[٤] الذي فى تفسير ابن كثير، أن المقصود بتمنى الموت هنا المباهلة كما جاء فى سورة آل عمران، بمعنى أنه إن كنتم على هدى و أن محمدا و أصحابه على ضلالة فادعوا بالموت على الضال من الفئتين إن كنتم صادقين فيما تزعمون.