المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٥ - الرؤيا الصالحة جزء من النبوة
و هذا من قسم الرؤيا المعبرة، و هى مما ضرب به المثل، و وجه التمثيل أنه شق من اسم السوداء: السوء و الداء، فتأول خروجها بما جمع اسمها، و تأول من ثوران شعرها أن الذي يسوء و يثير الشر يخرج من المدينة.
و قال القيروانى من أهل التعبير: كل شيء غلبت عليه السوداء فى أكثر وجوهها فهو مكروه، و قال غيره: ثوران الرأس يؤول بالحمى لأنها تثير البدن بالاقشعرار و بارتفاع الرأس، لا سيما من السوداء فإنها أكثر استيحاشا.
و من ذلك: رؤيته- صلى اللّه عليه و سلم- أنه فى درع حصينة و بقرا تنحر و تعبير ذلك.
عن أبى موسى عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «رأيت فى المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب و هلى إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هى المدينة يثرب، و رأيت فيه بقرا، و اللّه خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، و إذا الخير ما جاء اللّه به من الخير بعد، و ثواب الصدق الذي أتانا اللّه [١] بعد يوم بدر» [٢] رواه البخاري و مسلم. و روى الإمام أحمد و غيره عن جابر: أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «رأيت كأنى فى درع حصينة، و رأيت بقرا تنحر، فأولت الدرع الحصينة بالمدينة، و البقر بقرا» [٣]. و هذه اللفظة الأخيرة و هى «بقر» بفتح الموحدة، و سكون القاف مصدر بقره يبقره بقرا.
و لهذا الحديث سبب جاء بيانه فى حديث ابن عباس عند أحمد أيضا و النسائى و الطبرانى، و صححه الحاكم من طريق أبى الزناد عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة عن ابن عباس فى قصة أحد، و إشارة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- عليهم أن لا يبرحوا من المدينة، و إيثارهم الخروج لطلب الشهادة، و لبسه اللأمة و ندامتهم على ذلك، و قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لا ينبغى لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها
[١] سقط من الأصل، و زدناها من مصادر التخريج.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٣٦٢٢) فى المناقب، باب: علامات النبوة فى الإسلام، و مسلم (٢٢٧٢) فى الرؤيا، باب: رؤيا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-.
[٣] حسن: أخرجه الدارمى (٢١٥٩)، و أحمد فى «المسند» (٣/ ٣٥١)، و له شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد (١/ ٢٧١)، و الحاكم (٢/ ١٤١) و (٣/ ٤١) يحسن به.