المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٧٠ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
و خشى الفتنة و ظهور المنافقين، فلما شاهد قوة يقين الصديق الأكبر و تفوهه بقول اللّه عز و جل: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [١] و قوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٢] و خرج الناس يتلونها فى سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم انتهى.
و قال ابن المنير: لما مات- صلى اللّه عليه و سلم- طاشت العقول، فمنهم من خبل، و منهم من أقعد فلم يطق القيام، و منهم من أخرس فلم يطق الكلام، و منهم من أضنى، و كان عمر ممن خبل، و كان عثمان ممن أخرس، يذهب به و يجاء و لا يستطيع كلاما، و كان على ممن أقعد فلم يستطع حراكا، و أضنى عبد اللّه ابن أنيس فمات كمدا. و كان أثبتهم أبو بكر الصديق- رضى اللّه عنه-، جاء و عيناه تهملان و زفراته تتردد و غصصه تتصاعد و تترفع، فدخل على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فأكب عليه و كشف الثوب عن وجهه و قال: طبت حيّا و ميتا، و انقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصفة و جللت عن البكاء، و لو أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس. اذكرنا يا محمد عند ربك، و لنكن من بالك.
و وقع فى حديث ابن عباس و عائشة عند البخاري: أن أبا بكر قبل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بعد ما مات، كما قدمنا. و كذا وقع فى رواية غيره.
و فى رواية يزيد بن بابنوس عنها، عند أحمد، أنه أتاه من قبل رأسه، فحدر فاه و قبل جبهته ثم قال: وا نبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه و قبل جبهته ثم قال: وا صفيّاه، ثم رفع رأسه فحدر فاه و قبل جبهته و قال: وا خليلاه.
و عند ابن أبى شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فجعل يقبله و يبكى و يقول: بأبى أنت و أمى، طبت حيّا و ميتا.
و عن عائشة: أن أبا بكر دخل على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- بعد وفاته، فوضع فاه
[١] سورة آل عمران: ١٨٥.
[٢] سورة الزمر: ٣٠.