المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٧٤ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
ما لك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديما و لا حديثا. قال ابن عبد البر: يريد ليس العمل عليه فى رفض العمرة و جعلها حجّا، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة. و اختلف فى جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: «ارفضى عمرتك» [١]. أى اتركى التحلل منها و أدخلى عليها الحج، فتصير قارنة، و يؤيده قوله فى رواية لمسلم «و امسكى عن العمرة» [٢] أى عن أعمالها. و إنما قالت عائشة: «و أرجع بحج» لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. و استبعد هذا التأويل لقولها فى رواية عطاء عنها «و أرجع أنا بحجة ليس معها عمرة» [٣] أخرجه أحمد. و هذا يقوى قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة و حجت مفردة، و تمسكوا فى ذلك بقوله لها «دعى عمرتك» [٤]، و فى رواية «اقضى عمرتك» [٥] و نحو ذلك.
و استدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة و تهل بالحج مفردا كما صنعت عائشة.
لكن فى رواية عطاء عنها ضعف، و الرافع للإشكال فى ذلك: ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كان بسرف حاضت فقال لها النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «أهلى بالحج» حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال: «قد حللت من حجتك و عمرتك»، قالت: يا رسول اللّه إنى أجد نفسى أنى لم أطف بالبيت حين حججت، قال: «فأعمرها من التنعيم» [٦].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٧٨٣) فى الحج، باب: العمرة ليلة الحصبة و غيرها، من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٢] هى رواية عند مسلم (١٢١١) (١١٣) و قد تقدمت.
[٣] أخرجه أحمد فى «المسند» (٦/ ١٦٥ و ٢١٩) من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٤] أخرجه البخاري (٣١٧) و قد تقدم.
[٥] تقدم.
[٦] صحيح: أخرجه البخاري (١٥١٨) فى الحج، باب: الحج على الرحل، من حديث عائشة و قد تقدم.