المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢١ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
جماعة أنه دخل مكة الطاعون فى العام الذي كان فى سنة تسع و أربعين و سبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد أنه وقع الطاعون بها أصلا.
و أجاب بعضهم بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- عوضهم عن الطاعون بالحمى، لأن الطاعون يأتى مرة بعد مرة، و الحمى تتكرر فى كل حين فيتعادلان فى الأجر، و يتم المراد من عدم دخول الطاعون المدينة.
قال الحافظ ابن حجر: و يظهر لى جواب آخر، بعد استحضار الذي أخرجه أحمد من رواية أبى عسيب- بمهملتين آخره موحدة، بوزن عظيم- رفعه: «أتانى جبريل بالحمى و الطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة و أرسلت الطاعون إلى الشام» [١]، و هو أن الحكمة فى ذلك: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لما دخل المدينة كان فى قلة من أصحابه عددا و مددا، و كانت المدينة و بيئة، كما فى حديث عائشة، ثم خير- صلى اللّه عليه و سلم- فى أمرين يحصل بكل منهما الأجر الجزيل، فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار، و أذن له فى القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد اللّه بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل فى سبيل اللّه، و من فاته ذلك حصلت له الحمى التي هى حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته و ظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره فى هذه المدة المتطاولة، فكان منع دخول الطاعون من خصائصها و لوازم دعائه- صلى اللّه عليه و سلم- لها بالصحة. و قال بعضهم:
هذا من المعجزات المحمدية، لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد، بل عن قرية، و قد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة، انتهى ملخصا و اللّه أعلم.
و من خصائص المدينة أن غبارها شفاء من الجذام و البرص بل من كل
[١] أخرجه أحمد (٥/ ٨١) من حديث أبى عسيب مولى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-.