المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٣٢ - الفصل الثانى فى صومه- صلى اللّه عليه و سلم- عاشوراء
و عن ابن عباس قال: قدم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: «ما هذا؟» قالوا: يوم صالح نجى اللّه فيه موسى و بنى إسرائيل من عدوهم، فصامه فقال: «أنا أحق بموسى منكم»، فصامه و أمر بصيامه.
و فى رواية: فقال لهم: «ما هذا اليوم الذين تصومونه»؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى اللّه فيه موسى و قومه و أغرق فيه فرعون و قومه فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-: «فنحن أحق و أولى بموسى منكم»، فصامه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و أمر بصيامه و فى أخرى: فنحن نصومه تعظيما له [١]، رواه البخاري و مسلم و أبو داود.
و قد أجاب صاحب «زاد المعاد» و غيره عما استشكله بعضهم فى هذا الحديث- و قال: إن رسول اللّه إنما قدم المدينة فى شهر ربيع الأول فكيف يقول ابن عباس إنه قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء؟- بأنه ليس فى الحديث أن يوم قدومه وجدهم يصومونه، فإنه إنما قدم يوم الاثنين فى ربيع الأول، ثانى عشرة، و لكن أول علمه بذلك و وقوع القصة فى اليوم الذي كان بعد قدومه المدينة لم يكن و هو بمكة.
و قال فى الفتح: غايته أن فى الكلام حذفا تقديره: قدم- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صياما. و يحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه- صلى اللّه عليه و سلم- المدينة. و هذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين و أحقيتهم بموسى، لإضلالهم اليوم المذكور و هداية المسلمين له، و لكن سياق الأحاديث يدفع هذا التأويل، و الاعتماد على التأويل الأول.
انتهى. و قد استشكل أيضا رجوعه- صلى اللّه عليه و سلم- إلى خبر اليهود، و هو غير مقبول.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٢٠٠٤) فى الصوم، باب: صيام يوم عاشوراء، و مسلم (١١٣٠) فى الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء، من حديث ابن عباس- رضى اللّه عنهما-، و فى الباب عن عائشة.