المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٢٠ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
و قد روى الترمذى و ابن ماجه و ابن حبان فى صحيحه من حديث ابن عمر: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإنى أشفع لمن يموت بها» [١] و رواه الطبرانى فى الكبير من حديث سبيعة الأسلمية. و فى البخاري من حديث أبى هريرة أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
«لا يدخل المدينة الدجال و لا الطاعون» [٢].
و فيه: عن أبى بكرة- رضى اللّه عنه- عن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان» [٣].
قال فى فتح البارى: و قد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كونه شهادة، و كيف قرن بالدجال، و مدحت المدينة بعدم دخولهما.
و أجيب: بأن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، و إنما المراد أن ذلك يترتب عليه، و ينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدم فى المقصد الثامن من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن و شياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، و من اتفق دخوله فيها لا يتمكن من طعن أحد منهم.
و قد أجاب القرطبى فى المفهم عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع فى غيرها، كطاعون عمواس و الجارف.
و هذا الذي قاله يقتضى أنه دخلها فى الجملة، و ليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة فى «المعارف» و تبعه جمع منهم الشيخ محى الدين النووى فى «الأذكار»: بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلا، و لا مكة أيضا، لكن نقل
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (٣٩١٧) فى المناقب، باب: ما جاء فى فضل المدينة. من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٧١٣٤) فى الفتن، باب: لا يدخل الدجال المدينة. من حديث أنس بن مالك- رضى اللّه عنه-.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (١٨٧٩) فى الحج، باب: لا يدخل الدجال المدينة. من حديث أبى بكرة- رضى اللّه عنه-.