المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٠٣ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
و أما قول الأبوصيري فى بردة المديح:
لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه * * * طوبى لمنتشق منه و ملتثم
فقال شارحها العلامة ابن مرزوق و غيره: كأنه إشارة إلى النوعين المستعملين فى الطيب، لأنه إما أن يستعمل بالشم، و إليه أشار بقوله «لمنتشق» و إما بالتضمخ و إليها أشار ب «ملتثم»، قال: و أقل ذلك بتعفير جبهته و أنفه بتربته حال السجود فى مسجده- صلى اللّه عليه و سلم-، فليس المراد به تقبيل القبر الشريف فإنه مكروه.
و نقل الزركشى عن السيرافى: أن «طوبى» الطيب، قال ابن مرزوق:
طوبى فعلى من أنواع الطيب.
و هذا مبنى على أن المراد أن تربته أفضل أنواع الطيب باعتبار الحقيقة الحسية، و ذلك إما لأنه كذلك فى نفس الأمر، أدركه من أدركه أم لا، و إما باعتبار المؤمن فى ذلك فإن المؤمن لا يعدل بشم رائحة تربته- صلى اللّه عليه و سلم- شيئا من الطيب.
فإن قلت: لو كان المراد الحقيقة الحسية لأدرك ذلك كل أحد.
فالجواب: لا يلزم من قيام المعنى بمحل إدراكه لكل أحد، بل حتى توجد الشرائط و تنتفى الموانع، و عدم الإدراك لا يدل على عدم المدرك، و انتفاء الدليل لا يدل على انتفاء المدلول، فالمزكوم لا يدرك رائحة المسك، مع أن الرائحة قائمة بالمسك لم تنتف عنه.
و لما كانت أحوال القبر من الأمور الأخروية، لا جرم لا يدركها من الأحياء إلا من كشف له الغطاء من الأولياء المقربين، لأن متاع الآخرة باق، و من فى الدنيا فان، و الفانى لا يتمتع بالباقى للتضاد، و لا ريب عند من له أدنى تعلق بشريعة الإسلام أن قبره- صلى اللّه عليه و سلم- روضة من رياض الجنة، بل أفضلها، و إذا كان القبر كما ذكرناه و قد حوى جسمه الشريف- عليه الصلاة و السلام- هو أطيب الطيب، فلا مرية أنه لا طيب يعدل تراب قبره المقدس.
و يرحم اللّه أحمد بن محمد العريف حيث يقول فى قصيدته التي أولها: