المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٢ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
المنبر فقال: «إنى بين أيديكم فرط، و أنا عليكم شهيد، و إن موعدكم الحوض، و إنى لأنظر إليه و أنا فى مقامى هذا، و إنى قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، و إنى لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدى، و لكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها». و زاد بعضهم: «فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم» [١].
و عن أبى سعيد الخدرى: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- جلس على المنبر فقال:
«إن عبدا خيره اللّه بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء و بين ما عنده، فاختار ما عنده»، فبكى أبو بكر- رضى اللّه عنه- و قال: يا رسول اللّه، فديناك بآبائنا و أمهاتنا، قال: فعجبنا، و قال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- عن عبد خيره اللّه بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء و بين ما عند اللّه، و هو يقول: فديناك بآبائنا و أمهاتنا. قال: فكان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- هو المخير، و كان أبو بكر أعلمنا به، فقال النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: «إن أمنّ الناس على فى صحبته و ماله أبو بكر، فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، و لكن أخوة الإسلام، لا يبقى فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبى بكر- رضى اللّه عنه-» [٢]. رواه البخاري و مسلم.
و لمسلم من حديث جندب: سمعت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- يقول قبل أن يموت بخمس ليال «إنى أبرأ إلى اللّه أن يكون لى منكم خليل» [٣]. و كأن أبا بكر- رضى اللّه عنه- فهم الرمز الذي أشار به النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- من قرينة ذكره ذلك فى مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٣٤٤) فى الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد، و مسلم (٢٢٩٦) فى الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا و صفاته، من حديث عقبة بن عامر- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٤٩٦) فى الصلاة، باب: الخوخة و الممر فى المسجد، و مسلم (٢٣٨٢) فى فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبى بكر. من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى اللّه عنه-.
[٣] تقدم فى الذي قبله.