المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩٧ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
الأثير فى «النهاية»: كان أكثر من حج معه- صلى اللّه عليه و سلم- لم يسق الهدى، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، و يحلقوا رءوسهم، شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير فى أنفسهم أخف من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجح- صلى اللّه عليه و سلم- فعل من حلق لكونه أبين فى امتثال الأمر. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: و فيما قاله نظر، و إن تابعه عليه غير واحد، لأن المتمتع يستحب فى حقه أن يقصر فى العمرة و يحلق فى الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، و قد كان ذلك فى حقهم كذلك، و الأولى ما قاله الخطابى و غيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور و التزين بها، و كان الحلق فيهم قليلا، و ربما كانوا يرونه من الشهرة و من فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق و اقتصروا على التقصير. انتهى.
و فى رواية عبد اللّه بن عمرو بن العاص: وقف رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول اللّه، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: «اذبح و لا حرج»، ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول اللّه لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى؟ فقال: «ارم و لا حرج». قال: فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل و لا حرج [١]. رواه مسلم.
و فى رواية: حلقت قبل أن أرمى [٢]، و فى رواية: وقف- صلى اللّه عليه و سلم- على راحلته فطفق الناس يسألونه فيقول القائل منهم: يا رسول اللّه إنى لم أكن أشعر أن الرمى قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمى، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «فارم و لا حرج»، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض و أشباهها إلا قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «افعلوا ذلك و لا حرج» [٣].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٨٣) فى العلم، باب: الفتيا و هو واقف على الدابة و غيرها، و مسلم (١٣٠٦) فى الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمى. من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص.
[٢] تقدم فى الذي قبله.
[٣] تقدم فى الذي قبله.