المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩٨ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
و فى رواية: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- بينا هو قائم يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب أن كذا و كذا، قبل كذا و كذا، و فى رواية: حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمى و أشباه ذلك. و فى رواية: حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمى.
و من المعروف أن الترتيب أولى، و ذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمى جمرة العقبة، ثم نحر الهدى أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعى بعده، و قد تقدم أنه- صلى اللّه عليه و سلم- رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق.
و قد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، و أجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا فى وجوب الدم فى بعض المواضع. و مذهب الشافعى و جمهور السلف و العلماء و فقهاء الحديث: الجواز و عدم وجوب الدم لقوله- صلى اللّه عليه و سلم- للسائل: «لا حرج»، و هو ظاهر فى رفع الإثم و الفدية معا، لأن اسم الضيق يشملهما.
و قال الطحاوى: ظاهر الحديث يدل على التوسعة فى تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله «لا حرج» أى لا إثم فى ذلك الفعل، و هو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، و أما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية.
و تعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، و لو كان واجبا لبينه- صلى اللّه عليه و سلم- حينئذ لأنه وقت الحاجة فلا يجوز تأخير عنه. و تمسك الإمام أحمد بقوله فى الحديث «لم أشعر» و بما فى رواية يونس عند مسلم، و صالح عند أحمد فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: «افعل و لا حرج» بأنه إذا كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه و إن كان عالما فلا.
قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوى من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول فى الحج لقوله «خذوا عنى مناسككم» و هذه الأحاديث