المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦١٦ - الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف و مسجده المنيف
على أن للقلم فى أرجاء تفضيل المدينة مجالا واسعا و مقالا جامعا، لكن الرغبة فى الاختصار تطوى أطراف بساطه، و الرهبة من الإكثار تصرف عن تطويله و إفراطه.
و قد استنبط العارف ابن أبى جمرة من قوله- صلى اللّه عليه و سلم- المروى فى البخاري «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة و المدينة» [١]. التساوى بين فضل مكة و المدينة. قال: و ظاهر هذا الحديث يعطى التسوية بينهما فى الفضل، لأن جميع الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين، فدل على تسويتهما فى الفضل، قال: و يؤيد ذلك أيضا من وجوه النظر: لأنه إن كانت خصت المدينة بمدفنه- صلى اللّه عليه و سلم- و إقامته بها و مسجده، فقد خصت مكة بمسقطه- صلى اللّه عليه و سلم- بها و مبعثه منها، و هى قبلته، فمطلع شمس ذاته الكريمة المباركة مكة، و مغربها المدينة، و إقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة مثل إقامته- صلى اللّه عليه و سلم- بالمدينة، عشر سنين فى كل واحدة منهما. كذا قاله.
و أنت إذا تأملت قوله- صلى اللّه عليه و سلم- فيما رواه مسلم من حديث سعد «يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه و قريبه: هلم إلى الرخاء، و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، و الذي نفسى بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف اللّه فيها خيرا منه» [٢] ظهر لك أن فيه إشعارا بذم الخروج من المدينة. بل نقل الشيخ محب الطبرى عن قوم أنه عام أبدا مطلقا، و قال: إنه ظاهر اللفظ.
و فى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال:
«لا يصبر على لأواء المدينة و شدتها أحد من أمتى إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا» [٣].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٨٨١) فى الحج، باب: لا يدخل الدجال المدينة، و مسلم (٢٩٤٣) فى الفتن، باب: قصة الجساسة، من حديث أنس بن مالك- رضى اللّه عنه-.
[٢] صحيح: أخرجه مسلم (١٣٨١) فى الحج، باب: المدينة تنفى شرارها. من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (١٣٧٨) فى الحج، باب: الترغيب فى سكنى المدينة و الصبر على لأوائها. من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.