المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٠٨ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
و فى صحيح مسلم و غيره، من حديث ابن عباس: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- لقى ركبا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» فقالوا: المسلمون يا رسول اللّه، فرفعت امرأة صبيا لها فى محفة فقالت: يا رسول اللّه، أ لهذا حج؟ قال: «نعم و لك أجر». و لما وصل- صلى اللّه عليه و سلم- لذى الحليفة بات بها. قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدا، و إنما كان اتفاقا، حكاه القاضى إسماعيل فى أحكامه عن محمد ابن الحسن و تعقبه. و الصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا.
فلما رأى المدينة كبر ثلاثا و قال: «لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد و هو على كل شيء قدير، آئبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق اللّه وعده، و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده». ثم دخل المدينة نهارا من طريق المعرّس- بفتح الراء المشددة و بالمهملتين- و هو مكان معروف، فكل من المعرس و الشجرة التي بات بها- صلى اللّه عليه و سلم- فى ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة. انتهى ملخصا من فتح البارى و غيره، و اللّه أعلم.
و أما عمره- صلى اللّه عليه و سلم-، فالعمرة فى اللغة: الزيارة. و مذهب الشافعى و أحمد و غيرهما: أنها واجبة كالحج، و المشهور عن المالكية أنها تطوع و هو قول الحنفية. و قد اعتمر- صلى اللّه عليه و سلم- أربع عمر، ففى الصحيحين و سنن الترمذى و أبى داود عن قتادة قال: سألت أنسا: كم حج رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: حج حجة واحدة، و اعتمر أربع عمر، عمرة فى ذى القعدة، و عمرة الحديبية، و عمرة مع حجته، و عمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين [١]، هذا لفظ رواية الترمذى و قال: حسن صحيح.
و فى رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن فى ذى القعدة إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية- أو زمن الحديبية- فى ذى القعدة، و عمرة من العام
[١] صحيح: أخرجه الترمذى (٨١٥) فى الحج، باب: ما جاء فى حج النبيّ. من حديث أنس بن مالك- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».