المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٦٦ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
أنحر» [١]. و هذا خبر عنه لا يدخله الوهم و لا الغلاط، بخلاف خبر غيره عنه. قاله فى زاد المعاد.
و أما اختلاف الروايات عنه- صلى اللّه عليه و سلم- فى إهلاله، هل هو بالحج أو بالعمرة أو القران، و الجمع بينها، فكل تأول بما يناسب مذهبه الذي قدمته.
قال البغوى: و الذي ذكره الشافعى فى كتاب «اختلاف الأحاديث» كلاما موجزه: «أن أصحاب رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- كان منهم المفرد و القارن و المتمتع، فكل كان يأخذ عنه أمر نسكه، و يصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر بها و أذن فيها، و يجوز فى لغة العرب إضافة الفعل إلى الآمر به، كما يجوز إضافته إلى الفاعل له، كما يقال: بنى فلان دارا، و يريد أنه أمر ببنائها، و كما روى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- رجم ماعزا، و إنما أمر برجمه، ثم احتج بأنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان أفرد الحج. انتهى، و قال الخطابى نحوه.
و قال النووى: كان- صلى اللّه عليه و سلم- أولا مفردا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، و أدخلها على الحج فصار قارنا، فمن روى الإفراد فهو الأصل، يعنى حمله على ما أهل به فى أول الحال، و من روى القران أراد ما استقر عليه أمره، و من روى التمتع أراد به التمتع اللغوى و الارتفاق، فقد ارتفق بالقرآن كارتفاق التمتع و زيادة، و هو الاقتصار على فعل واحد. و قال غيره: أراد بالتمتع ما أمر به غيره. قالوا: و بهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها و يزول عنها الاضطراب و التناقض.
و قالت طائفة: إنما أحرم- صلى اللّه عليه و سلم- قارنا ابتداء يعنى بالحج و العمرة معا و احتجوا بأحاديث صحيحة تزيد على العشرين، منها حديث أنس فى صحيح مسلم سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أهل بهما: «لبيك عمرة و حجّا» [٢].
و رواه عن أنس ستة عشر نفسا من الثقات، كلهم متفقون عن أنس أن لفظ النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- كان إهلالا بحج و عمرة معا.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (١٥٦٦) فى الحج، باب: التمتع و الإقران و الإفراد بالحج. من حديث حفصة و لفظه إنى لبدت رأسى و قلدت هديى فلا أحل حتى أنحر.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (١٦٩٢) فى الحج، باب: من ساق البدن معه. من حديث ابن عمر. و قد تقدم أكثر من مرة.