المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٧٧ - الفصل الثالث فى تفضيله- صلى اللّه عليه و سلم- فى الآخرة إلخ
يدخل الجنة أحد إلا برحمة اللّه»، قالوا: و لا أنت يا رسول اللّه؟ قال: «و لا أنا إلا أن يتغمدنى اللّه برحمته»، و قال بيده فوق رأسه. يعنى أن الجنة إنما تدخل برحمة اللّه، و ليس عمل العبد سببا مستقلا بدخولها و إن كان سببا، و لهذا أثبت اللّه دخولها بالأعمال فى قوله تعالى: وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١]، و نفى- صلى اللّه عليه و سلم- دخولها بالأعمال فى قوله: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» و لا تنافى بين الأمرين، لما ذكره سفيان و غيره، قال:
كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو اللّه، و دخول الجنة برحمة اللّه، و اقتسام المنازل و الدرجات بالأعمال، و يدل له حديث أبى هريرة: إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم. رواه الترمذى.
قال ابن بطال: محمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، و محل الحديث على دخول الجنة و الخلود فيها. ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢] فصرح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال. و أجاب: بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، و التقدير: ادخلوا منازل الجنة و قصورها بما كنتم تعملون، و ليس المراد بذلك أصل الدخول.
ثم قال: و يجوز أن يكون الحديث مفسرا للآية و التقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة اللّه لكم و تفضله عليكم، لأن اقتسام منازل الجنة برحمة اللّه، و كذا أصل دخول الجنة برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، و لا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته و فضله، و قد تفضل اللّه عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعليمهم.
و أشار إلى نحوه القاضى عياض فقال: و إن من رحمة اللّه توفيقه للعمل، و هدايته للطاعة، و كل ذلك لم يستحقه العامل بعمله، و إنما هو بفضل اللّه و رحمته.
و قال غيره: لا تنافى بين ما فى الآية و الحديث، لأن «الباء» التي أثبتت
[١] سورة الزخرف: ٧٢.
[٢] سورة النحل: ٣٢.