المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٧٢ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
و تعقب أيضا: بأن توهيم المهلب للراوى و هم منه، و إلا فأى فرق بين موسى و عيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض، و إنما ثبت أنه سينزل. و أجيب: بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: «كأنى أنظر إليه» و لهذا استدل المهلب بحديث أبى هريرة الذي فيه «ليهلن ابن مريم بالحج».
و قد اختلف فى معنى قوله: «كأنى أنظر إليه». فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عند ما تذكر ذلك، و رؤيا الأنبياء وحى.
و قيل: هو على الحقيقة، لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا مانع أن يحجوا فى هذه الحالة، كما فى صحيح مسلم عن أنس: أنه رأى موسى٧ قائما فى قبره يصلى.
قال القرطبى: حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعى أنفسهم لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. و يؤيده أن عمل الآخرة ذكر و دعاء لقوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَ [١] الآية لكن تمام هذا التوجيه أن يقال: المنظور إليه هى أرواحهم، فلعلها مثلت له- صلى اللّه عليه و سلم- فى الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، و أما أجسادهم فهى فى القبور.
قال ابن المنير و غيره: يجعل اللّه لروحه مثالا، و يرى فى اليقظة كما يرى فى النوم. و قيل: كأنه مثلت أحوالهم التي كانت فى الحياة الدنيا، كيف تعبدوا، و كيف حجوا، و كيف لبوا، و لهذا قال: «كأنى» ... و قيل: كأنه أخبر بالوحى عن ذلك، فلشدة قطعه به قال: «كأنى أنظر إليه». انتهى. و قد ذكرت فى مقصد الإسراء من ذلك ما يكفى و اللّه الموفق.
و لما نزل- صلى اللّه عليه و سلم- بسرف خرج إلى أصحابه فقال من لم يكن معه هدى فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، و من كان معه الهدى فلا. و حاضت عائشة فدخل عليها- صلى اللّه عليه و سلم- و هى تبكى، فقال: «ما يبكيك يا هنتاه»، قالت:
سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: «و ما شأنك؟» قالت: لا
[١] سورة يونس: ١٠.